لطالما راودني سؤال : لماذا الكثير يختار الأمان لو خُير في نوعية المشاعر التي يود عيشها؟ .. فبعثت في معاني هذا الشعور الجميل .. حتى خلُصت بهذه الخاطرة حول سؤالي الذي طرحته عليكم من قبل .. ما تعريفك لشعور الأمان ؟
الأمان... شعور يعاش و لا يوصف .. تخوننا الجمل لو قلنا أنه مجرد طمأنينة تغشى القلب حين يزول الخوف .. هو أعمق من ذلك و أكثر تغلغلا في الوجدان... لا يمكن حصره في سقف متين أو ظل أب أو حضن أم أو أن تنام في حجرك قطة..
الأمان ..هو أكثر شعور يبحث عنه الإنسان..
ما شد انتباهي هو أنه في إحدى المقابلات النفسية، كانت النسوة تختار الأمان على الحب .. حتى نبرتهن في التعبير عن هذا الاحتياج كانت مرهفة حقا ..
حين نتأمل في الحياة ، نرى أن الخوف لا يكون فحسب من قلة المال أو خيانة الصحة .. بل حتى من الوحدة ، شعور المرء أنه غير كافٍ، الأمان شعور يجر وراءه قيما عديدة..
كم من ذي مال و نفوذ يتقلب ليلا أرقا و لا يهنأ له بال و لا يذوق أمانا .. خائف على جاهه ، يترقب أعداءه ، حائر -لو كان ذا ضمير حي- في مصادر ثروته ... مع أنه محاط بجنود من الحرس..
و كم من بسيط ينعم بجنة في صدره ، يذوق فيها أمانا و هناء و راحة بال.. فكأنها من النعيم المعجل سبحان الله ...!ـ
فالأمان لم يكن قط بعدد من يحرسك و كم هو متين سور بيتك أو زجاج سيارتك ..هذا مفهوم سطحي له..
و تأمُل هذا الحديث يترك أثرا جميلا في النفس :
قالﷺ: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) رواه البخاري..
و هذا شرح بسيط له :
(من أصبح منكم) أي: أيها المؤمنون. ( آمناً) أي: غير خائف من عدو. (في سِربه) أي: في نفسه، وقيل: السرب: الجماعة، فالمعنى: في أهله وعياله. ( معافى) أي: صحيحاً سالماً من العلل والأسقام. (في جسده) أي: بدنه ظاهراً وباطناً. (عنده قوت يومه) أي: كفاية قوته من وجه الحلال. ( فكأنما حيزت له الدنيا) أي: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها.
و في وقتنا خصوصا ما عاد أعداؤنا فقط الأشخاص الذين يكيدون لنا ، بل صار سوء استخدام الهاتف عدوا، الأكل غير الصحي عدوا، تأثير الجماعة و القطيع عدوا ...
الأمان .. لا يعني غياب المشاكل أو الأعداء بل سكينة تحيط بالقلب كغيمة باردة ضد حر النوائب، تجعل الإنسان يكابد و يمر خلال الصعاب و هو على يقين بانقشاعها و لو بعد حين ...
تأمل موقف نبي الله موسى عليه السلام حين وقف أمام البحر وفرعون و جنده خلفه لا مفر و لا قدرة على الرجوع ، فقال أصحابه إنهم مدركون، فرد بيقين تام: {كلا إن معي ربي سيهدين}.. هذا أمان و يقين ..
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الغار حين قال لأبي بكر الصديق : {لا تحزن إن الله معنا}.. و لو نظر المشركون عند أقدامهم لرأوهما ، هذه الثقة بالله هي أسمى درجات الأمان..
التقرب إلى الله هو أضمن طريق للأمان لا محالة... و لو ربطنا الأمان بشخص أو مكانة دنيوية لعشنا في اضطراب و قلق (و لعل هذا من بين أكثر أسباب التعلق الذي يشتكي منه الكثيرون في علاقاتهم “مصدر أمانهم متذبذب") … علينا أن نسعى لنيل الأمان من الخالق سبحانه .. كلما اقتربت من الله ابتعد عنك الخوف و أيقنت زوال و محدودية هذه الدنيا الفانية، وكلما توكلت عليه كفاك همومك سبحانه و تعالى... يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}...
الأمان شعور لا يُشترى ولو بمال قارون ، بل يهبه الله لمن يشاء ، قد نجده لحظة استشعارنا للنعم حولنا فيجد المرء نفسه تلقائيا يردد الحمد لله ، قد نجده في سجدة صادقة بعد أن أضنانا البكاء و الركض، قد نجده في بيته الحرام سبحانه في البلد الآمن -رزقنا الله و إياكم- ، قد نجده حين نرى كيف الله حمانا من مصيبة برحمة منه و لطف ،... الأمان شعور جميل جدا ينعكس على الروح و الوجه ... و دونه يبدو كل شيء مضطربا باهتا..ـ
و الأمان الدائم في جنان الخلد بحول الله ...
رزقنا الله هذا الشعور يا رب ..
شكرا لقراءتك ♡︎ـ



🥹🌸مقال جميل ، استمرّي
صحيح ذلك، ففي القرب من الله و التسليم له من اللذّة ما لا يدركه المرء ما لم يعشه، الأمان يخرج أجمل ما فينا، بينما يدفن الخوف تميزنا.