ثمة لحظةٌ حرجةٌ في تاريخِ إدراكنا لأنفسنا وللعالم؛ تلك اللحظة التي نتوقف فيها عن رؤية "الكل"، لننحاز بقسوةٍ إلى "الجزء" المشوه..!ـ
تأمل في الصورة ؛ إنها تختزلُ مأساةً نفسية مكتملة الأركان: ثوبٌ أبيض ناصع، متسع، يمثلُ في رمزيتنا نِعم الحياة، ومع ذلك، لا تجدُ اليدُ التي تمسكُ بالعدسةِ المكبرة إلا تلك "البقعة السوداء" الصغيرة لتسلط عليها كل ضوء الوعي، محولةً إياها إلى مركزِ الكون…ـ
إننا نعيش في هذا العالم وكأننا نرتدي عدساتٍ لاقطة للعيوب؛ عدساتٍ تعمينا عن اتساعِ البياض، وتجبرنا على التمركز حول "نقطةِ نقصٍ" واحدة. هذا الفعلُ ليس بصرِيّاً فحسب، بل هو "آلية دفاع" نفسية استبطناها منذ زمنٍ طويل. إننا نغتال اتساع الروح حين نحصرُ أنفسنا والآخرين في مساحةٍ ضيقة لا تتجاوز ثقب الإبرة...
مشكلتنا أننا نتوقع السعادة دوما كامنة في ما لا نملكه !ـ
فلماذا يستهوينا هذا النقص؟ لماذا نفضل أن نكون "مفتشي عيوب" بدلاً من أن نكون "حامدي نِعم"؟
إن الحقيقةَ التي نتجنب مواجهتها هي أننا نخشى الاتساع. فالرحابة تتطلبُ شجاعة القبول، والقدرة على التعايش مع الهشاشة البشرية دون ذعر.. أما التركيز على "البقعة السوداء" -كما هو موضح في الصورة - فهو يمنحنا وهماً زائفاً بالسيطرة؛ فإذا استطعنا رصدَ العيب وتسميته، فإننا نؤمنُ واهمين بأننا قد سيطرنا على خيبةِ الأمل التي يسببها لنا عدم كمال الواقع.
فهل انتبهتَ يوماً أننا نعيشُ حياتنا بـ "استراتيجيةِ المفتش"؟ ندخلُ إلى البيت، إلى العمل، إلى علاقاتنا، وعيوننا لا تبحثُ عن "الجمال القائم"، بل عن "الخلل الممكن".
لقد أنسانا هوسُ "المثالية" أن الكمال صفةٌ إلهية..
اسأل نفسك بصدق:
* أليسَ من "سوءِ الأدبِ مع النعمة" أن ننشغلَ ببقعةِ ثوبٍ وننسى بياضَ الثوبِ كله؟
* هل ننتقدُ الآخرين لأننا نغارُ على الحق، أم لأننا نخشى أننا إذا توقفنا عن المحاكمة، فسنضطرُ لمواجهةِ هشاشتنا التي نسترها بـ "ثوبِ النقد"؟
* كيفَ غابَ عن بصائرنا مفهومُ "الصفح الجميل" الذي لا يتطلبُ منا أن نرى الخطأ صحيحاً، بل أن نرى الإنسانَ أكبرَ من خطئه؟
إننا نغتال اتساع أرواحنا حين نحصرُ معنى الحياة في "ثقب إبرة". نحنُ لا نصححُ المسار، نحنُ فقط نستهلكُ وقود قلوبنا في مطاردةِ ما لن نصله .. إن أخطر ما في هذه "العدسة" أنها لا تكتفي بتكبير العيب، بل إنها تصيبنا بـ "قسوةِ القلب"؛ تلك الحالة التي نصبحُ فيها غير قادرين على رؤيةِ جمالِ المسلمِ وأخيه، لأننا مشغولون بتفتيشِ البقعة السوداء في ثيابه -عيوبه-.
في هذا المقال، سنضعُ "عدسة التقصي" جانباً. لن نسألَ "كيف نكون مثاليين؟" (فهذا سؤالٌ تدميري)، بل سنبحرُ في معنى "التغافل"، لنفهم: **كيف نستعيدُ سلامةَ الصدر؟ وكيف نرى الصورةَ الكبرى التي تراها عينُ المحب، لا عينُ القاضي؟**
☁️
تأمل للواقع :
هذا هو حالنا؛ نعيشُ في قصورِ نعمٍ عظيمة، لكننا نقضي أعمارنا ونحنُ نمررُ أصابعنا على الجدرانِ بحثاً عن "شرخٍ" لنشتكي منه.
نحنُ نمارسُ هذا "التقصي" حتى مع أنفسنا؛ تجلسُ أمام المرآة، لا لترى وجهك الذي خلقه الله في أحسنِ تقويم، بل لترى تجعيدةً بدأت تظهر، أو وزناً زاد قليلاً، أو لتُؤنب نفسك على درجاتك المنخفضة ، أو لتدقق في هالات ظهرت من السهر... أنتَ لا ترى نعمةَ الصحةِ في عينيك، ولا ترى وفرة سقف آمن .. بل تُحاصرُ ذاتك في "بقعة" صغيرة، فتُرهقُ روحك بمحاولاتِ الإصلاح التي لا تنتهي.
لماذا نفعلُ هذا؟
لأننا نخشى أننا إذا توقفنا عن "المراقبة"، فسنظهرُ أمام الناسِ "عاديين"... نحنُ نلبسُ ثيابَ المثاليةِ كدرعٍ من الخوف، ونظنُّ أننا إذا أشرنا إلى الزلة، سنصبحُ أكثرَ أماناً و "سيطرة" .. البشر معقدون جدا و سنحاول فهم جزئية صغيرة منا ...
الحقيقةُ أنَّ الطمأنينةَ ليست في خلوِ الحياةِ من الأخطاء، بل في "تقبلها" التي تدركُ أنَّ الخطأَ ليسَ نهايةَ العالم. التغافلُ –في حقيقتهِ– هو أن تدركَ أنَّ الشخصَ الذي أمامك يخطئُ تماماً كما تخطئُ أنت، وأنَّ له "بياضاً" عظيماً في حياتك يشفعُ له عند أولِ هفوة. من أرادَ السكينة، عليه أن يتعلمَ "التغافل"...
أن تغمضَ عينك عن الصغير، لتبقى رؤيتك واضحةً للكبير..
إنَّ الأرواحَ التي نعيشُ معها ليست آلاتٍ مُبرمجة، بل هي قلوبٌ تنبضُ، وتتعبُ، وتتخبط.. ومن كانَ يحبُّ بصدق، فإنه يرى في خطأِ من يحبُّ "فرصةً للستر والنصح بالحسنى"، لا "فرصةً للمحاسبة"....
أين نحنُ من خُلقِ سيدِ الخلق ﷺ؟
لقد كان النبيُّ ﷺ مثلا و قدوة في هذا .. لم يكن يعيشُ ليصطادَ العثرات، بل كان يعيشُ ليحتوي القلوب.. و قصة فتح مكة خير دليل حين عفا ﷺ عن معشر قريش رغم أنهم آذوه ، و قصة عفو يوسف عليه السلام عن إخوته هي أعظم نموذج في الصفح والتسامح... بعد أن تمكن في خزائن مصر واعترفوا بخطئهم قائلين: ﴿تَالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، قابلهم بالرحمة وعفا عنهم : ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾، بل والتمس لهم العذر بنسبته كيدهم للشيطان... ـ
نفسك أولى بالإحسان : جلدُ الذات.. كيف نتحولُ من قضاةٍ لأنفسنا إلى رحماء باتزان ؟
هذا الرحابة التي نمنحها للآخرين، حين نتخلقُ بأخلاقِ العفو والستر، تظلُّ ناقصةً ما لم تسرِ في عروقنا نحنُ أولاً. فنحنُ –في الغالبِ– أقسى قضاةٍ على أنفسنا.. كل ليلة، حين نضع أجسادنا المنهكة على الفراش، لا لنراجعَ ما فعلنا من خير و نحمد الله أن وفقنا له ، بل لنحصي ما سقطنا فيه من زلات بجلد حاد شديد ... نحولُ مساحةَ "النمو" في حياتنا إلى "ساحةِ إعدام" للضمير، ظناً منا أنَّ قسوتنا على ذواتنا هي الوقودُ الوحيد الذي سيدفعنا لنكونَ "أفضل".. و هذا بصراحة .. خاطىء أكثر من كونه صحيحا ..
لكن، هل سألتَ نفسك: كيفَ يمكنُ لروحٍ تُجلدُ بالسياطِ كلما أخطأت، أن تنبتَ فيها بذورُ الطمأنينة؟
إنَّ الجلدَ المستمر للذات ليسَ "ترويضا " دوما كما يخيل لنا ، بل هو "فخٌ نفسي" يستهلكُ طاقتك في محاولةِ الهروبِ من حقيقةِ أنك بشرٌ؛ والبشرُ –بفطرتهم– خطّاؤون. إننا حين نمنعُ عن أنفسنا حقَّ "الخطأ البشري"، نحنُ في الحقيقةِ نعترض على صفة خلقنا بها ، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " هذا من رحمته وجوده أنه جل وعلا قدر على عباده وجود الخطايا، ثم يتوب عليهم سبحانه إذا تابوا إليه...
و كان ﷺ يختار أيسر الأمور .. و من هذا نفهم الكثير جدا من الرفق في معاملة الذات !ـ
☁️
تأمل كيف نتعاملُ نحن مع عثراتنا: إننا نضخمُ الهفوة، نكررها في ذاكرتنا آلاف المرات، ونقرنها بصوتٍ داخلي يحكمُ علينا بالدونية. هذا الصوتُ ليس صوتَا "صحيا" إن صح التعبير ، بل هو صوتُ "المفتش" الذي اعتادَ أن يعيشَ على جلدِ الآخرين، فالتفتَ إليك حين لم يجد أحداً غيرك ليجلده.
كيف يعقلُ أن نمنحَ الآخرين عفوَنا، ونمنعَهُ عن ذواتنا التي هي أولى الناسِ برحمتنا؟
فإذا زللتَ، لا تقفْ عند الزلةِ طويلاً، ولا تجعلها محوراً تدورُ حوله حياتك. انظر إليها كـ "عثرةِ طريق" تمنحك درساً، لا كـ "نهايةِ مطاف". تقبّل أنك ناقص، كن مع نفسك رحيماً كما كنتَ مع من حولك، وتوقف عن ملاحقةِ هفواتك الصغيرة في ذاكرتك.
إنَّ الطمأنينةَ التي تنشدها لا تأتي من "خلوِ صحيفتك من الأخطاء"، بل تأتي من "تقبلك" و إصرارك على التوبة ..
و هذا معنى أن تكون "أوابا" ...
☁️
كيف يكون هذا عمليا ؟
قد يظنُّ البعضُ أنَّ التسامحَ مع الذات يعني التساهلَ مع التقصير، وهذا هو الفخُّ الأكبر. فكما أنَّ الجلدَ المفرطَ يقتلُ الروح، فإنَّ "التسامحَ المطلق" الذي لا حزم فيه، يميّعُ إرادةَ المرءِ ويجعلهُ أسيراً لدوائرِ الخطأ المتكرر.
إنَّ الاتزانَ الذي نبحثُ عنه يكمنُ في شعرةٍ معاوية: أن نكونَ رحماءَ بأنفسنا عند "السقوط"، ولكن حازمين معها في "الاستقامة".
فالعفوُ عن النفسِ ليس معناهُ غضَّ الطرفِ عن الخلل، بل معناهُ أن نعاملَ أنفسنا بـ "قسوةٍ حانية"؛ هذا قد يبدو جنونا و ضربا من التناقض، لكنه كبد الحقيقة ..
قسوةٌ ترفضُ الركونَ إلى العجز، وحنانٌ يمسحُ أثرَ السقوطِ لننهضَ من جديد..
ولكن، أين يكمنُ هذا الاتزان؟ وكيف نطبقهُ في واقعنا؟
يتحققُ هذا الاتزانُ حين نضعُ لأنفسنا "حدوداً واضحة"؛ الرفق مطلوبٌ لكي لا نغرقَ في دوامةِ جلدِ الذات، لكنه لا يعني أن نتجاهلَ "جرسَ الإنذار" الذي يقرعهُ الضميرُ الحي. الحلُّ العملي يكمنُ في تحويلِ "المحاكمةِ القاسية" إلى "جلسةِ مصارحة".
تخيل معي: بدلاً من أن تقولَ لنفسك كل ليلةٍ "أنتَ سيءٌ لأنك أخطأت"، قل لها: "لقد أخطأتَ في هذا الموقف، وهذا لا يشبهك، ولستَ أنتَ من يرضى بهذا". هذا هو الفرقُ بين "نقدِ الشخص" و "نقدِ الفعل".. و ركز هنا !ـ
كيف نستردُ هذا التوازن في واقعنا اليومي:
قاعدةُ "الخمس دقائق": إذا وقعتَ في خطأ، امنح نفسك خمسَ دقائق فقط للحزنِ الصادق، ثم توقف.. لا تسمح لـ "المفتش" بأن يمتدَّ به الوقتُ ليسكنَ في قلبك.. قم وتوضأ، أو صلِّ ركعتين، أو قدّم صدقةً؛ اجعلِ الخطأَ محركاً لعملٍ صالح، لا سبباً للقعودِ والندمِ المظلم..
استبدالُ "لماذا فعلت؟" بـ "كيفَ أتجاوز؟": السؤالُ الأولُ يحبسُك في الماضي ويُفعّلُ جلدَ الذات. السؤالُ الثاني ينقلك للمستقبل ويُفعّلُ الإرادة. اسأل نفسك دائماً: ما الذي جعلني أقع؟ وكيف أحمي نفسي من هذا الخطأ مستقبلاً؟ و سيتضح الأمر بمثال آت..
التغييرُ الصغيرُ المستدام: لا تطلب من نفسك كمالاً مفاجئاً. إذا كنتَ تعاني من هفوةٍ معينة في علاقاتك أو في صلاتك ، في دراستك أو عاداتك الصحية ، عملك ... فلا تحاول إصلاحَ كل شيء في يومٍ واحد. ابدأ بخطوةٍ صغيرةٍ جداً، كأن تُحسنَ كلمةً، أو تضبطَ موعداً.. الإنجازُ الصغيرُ يرممُ ثقتك بنفسك أكثرَ مما يفعلُه الندمُ الكبير... الاستمرارية !!
تأمل هذا المثال الواقعي:
فكر في أبٍ يغضبُ سريعاً على أبنائه، ثم يغرقُ في "جلدِ ذات" مريرٍ يجعلهُ أكثرَ توتراً، مما يؤدي لمزيدٍ من الغضب. الاتزان هنا ليس أن يقول: "أنا طبيعتي هكذا"، ولا أن يقول: "أنا أسوأ أب في العالم". بل أن يقول: "لقد خسرتُ اليومَ صبري، وهذا خطأٌ فادحٌ لا أرضاه لنفسي"، ثم يبدأُ فوراً بجبرِ خاطرِ أبنائه، ويضعُ خطةً عملية (كأن يخرجَ من المكانِ حين يحتدُّ غضبه ، يجلس لو كان واقفا أو يقف لو كان جالسا..). هذا هو الفرقُ بين "القاضي" الذي يجلد، و "المربي" الذي يقوّم.
ختاما :
إنَّ السكينةَ الحقيقية لا نجدها في ثوبٍ بلا بقع، بل نجدها في قلبٍ يعرفُ كيف يغسلُ بقعتَهُ كلما ظهرت، دون أن يمزقَ الثوبَ في محاولةِ التطهير...
أنتَ لستَ مجردَ أخطاءٍ متراكمة، أنتَ مشروعُ حياةٍ يتقلبُ بين الزللِ والنهوض. فكن مع نفسك رحيماً بوعي، وحازماً بصدق، و اللهُ معك.. يسترُ عليكَ إن زللت، ويجبرُ كسرَك إن سقطت..
إنَّ السكينةَ التي ننشدها لا تطلبُ منا أن نغلقَ أعيننا عن الواقع، بل أن نرفعها عن "ثقبِ الإبرة" لنبصرَ المساحاتِ الشاسعة من النعمة. وحينَ ندركُ أنَّ السترَ في حقِّ الآخرين، والرفقَ في حقِّ أنفسنا، هما أسمى مراتبِ النضجِ الإنساني، فإننا نتحررُ حينها من "سلطةِ المفتش" القابعةِ في صدورنا...
فلا تكن كَنوداً؛ لا تجحد فيضَ البياضِ في عمرك لأنك تعثرتَ في بقعةٍ عابرة. إنَّ الامتنانَ هو البوصلةُ التي تُعيدُ توجيهَ بصرك نحو ما يستحقُ أن يُرى، وهو الحصنُ الذي يحمي قلبك من قسوةِ المحاكمة...
تجاوزِ الصغائرَ بقلبٍ رحيم، واحمدِ اللهَ على الاتساعِ الذي غمرك، فمن استغرقَ في الحمدِ، استراحَ من عناءِ التفتيش..
قال تعالى:"وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ".. ـ
شكرا لقراءتك ـ♡




