ليست أكثر العواصف خطرًا تلك التي تهزّ الأشجار، بل تلك التي تهزّ الإنسان من داخله ولا يراها أحد.ـ
قد يبدو المرء هادئ الملامح، مستقيم الخطوات، قليل الكلام، بينما في صدره ضجيجٌ يكفي لإسقاط مدينة: غضبٌ من موقف، ألمٌ من كلمة، خيبةٌ من شخص، تعبٌ قديم لم يجد بابًا للخروج. وما أكثر الناس الذين لا يُتعبهم ما يحدث حولهم، بل ما يتراكم في داخلهم.
إن الغضب حين يسكن القلب طويلًا لا يبقى غضبًا فقط، بل يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى قسوة في الصوت، ونفادٍ في الصبر، وتعبٍ في الروح، ونظرةٍ سوداء إلى الحياة. ولهذا فإن أخطر ما في الغضب ليس لحظة اشتعاله، بل إقامته الطويلة في النفس. النار إذا طال مكثها أفسدت كلما هو قريب منها ..ـ
ومن رحمة الله بالإنسان أنه جعل له منافذ ينجو بها من ازدحام صدره . فيجد راحته في الدعاء، و يجدها في الصلاة، و يجدها في المشي، و يجدها في ورقةٍ بيضاء... نعم، ورقةٌ بيضاء قد تفعل ما لا يفعله كثير من البشر: تستمع دون مقاطعة، وتحمل دون شكوى، وتستقبل ضعفك دون حكم…ـ
حين تكتب غضبك، لا تكون مجرد شخص يخط كلمات، بل تكون إنسانًا يطفئ حريقًا بهدوء… تضع ما كان يشتعل في صدرك خارجك، فتخفّ حرارته. ما دام الألم داخل النفس يبقى غامضًا واسعًا، فإذا صار سطورًا أصبح أصغر حجمًا، أوضح شكلًا، وأقرب إلى العلاج. بعض المشاعر تُرعبنا وهي في الداخل، فإذا خرجت على الورق بدت أقل مما توهّمنا..ـ
كثيرًا ما نظن أننا غاضبون من الناس، ثم نكتشف بعد كتابة صادقة أننا في الحقيقة متعبون من أنفسنا، مرهقون من الضغوط، جائعون إلى التقدير، محتاجون إلى كلمة طيبة... نحن أحيانًا لا نريد أن نصرخ في أحد، بل نريد فقط أن يخفّ الحمل... لكن لأننا لا نفهم ما بنا، نوجّه الألم إلى أول وجهٍ يقابلنا..!ـ
الورق يساعد الإنسان على أن يفهم نفسه قبل أن يظلم غيره. وهذا نعمة عظيمة. فكم من كلمة قيلت في لحظة غضب وبقي أثرها سنين، وكم من علاقة لم يكسرها الحدث نفسه، بل ردّة الفعل عليه. الناس ينسون الخطأ أحيانًا، لكنهم لا ينسون الإهانة التي جاءت بعده. لذلك كان الحليم ليس من لا يغضب، بل من يملك نفسه عند الغضب..ـ
وفي الهدي النبوي معنى عجيب للرحمة بالنفس؛
حين أوصى النبي ﷺ بقوله: "لا تغضب"،ـ
لم يكن يطلب من الإنسان أن يلغي طبيعته، بل أن لا يسلم زمامها للنار. وأن يملك نفسه ساعة الفورة، لأن دقائق معدودة من الصبر قد تنقذ سنوات من الندم..ـ
والكتابة نوعٌ من هذا الصبر الجميل. إنها مهلةٌ تمنحها لنفسك قبل القرار، ومسافةٌ تضعها بين الشعور والفعل، و هذا مهم جدا لو تدري ! ... تكتب ما تريد قوله، ثم تتركه قليلًا. وبعد أن يهدأ الموج، تقرأه بعين أخرى، فتدرك أن كثيرًا مما بدا مهمًا لم يكن كذلك، وأن كثيرًا مما أردت هدمه كان يستحق الإصلاح لا الكسر…ـ
وليس المقصود أن نهرب من مشاعرنا، بل أن نفهمها لنحسن التعامل معها. فالنفوس لا تشفى بالقمع، ولا تستقيم بالانفجار، وإنما تهدأ حين تُفهم.. والإنسان إذا فهم ما يشعر به، رقّ قلبه، ولان طبعه، وصار أعدل في حكمه على نفسه وعلى الناس..ـ
ما أجمل أن يجلس المرء مع نفسه آخر اليوم، ومعه ورقة وقلم، يكتب ما أثقله، ثم يرفع يديه إلى الله، ثم ينام بقلب أخفّ. بعض الهموم لا تحتاج حلولًا عاجلة، بل تحتاج فقط أن تُنزَل من الصدر. وبعض الجراح يبدأ شفاؤها حين نعترف بوجودها..ـ
ولعل كثيرًا من قسوة الناس في هذا العالم ليست شرًا خالصًا، بل ألمًا لم يجد طريقًا مهذبًا للخروج… لستُ هنا لأبرر لهم ، بل لأوصل فكرة أنه : لو تعلّم الناس أن يسكبوا غضبهم على الورق، لقلّت الكلمات الجارحة، وخفّت الخصومات، واتّسعت الصدور..ـ
فإذا ضاق بك يومٌ ما، فلا تسارع إلى الرد، ولا تمنح انفعالك للسانك... اجلس بهدوء، واكتب... اكتب كل ما فيك، ثم توضأ و صلّ، وتنفّس، واترك الصفحة جانبًا. ستشعر أن شيئًا ثقيلًا غادر صدرك دون أن يجرح أحدًا...ـ
فلا تحتقر لحظةً تجلس فيها مع نفسك صادقًا، ولا ورقةً تحمل عنك ما عجز الناس عن فهمه...
قد لا تغيّر الكتابة ما حدث، لكنها تغيّر ما يفعله الحدث في داخلك و بالتالي كيف سيخرج للآخرين…ـ
شكرا لقراءتك .ـ




أحب الكتابة، هي التي انتشلتني من افكاري بعد لُطف الله
سلمت يداكِ💗 عن تجربة التدوين أصبح ملاذي الآمن ،كنت عندما أغضب أو أحزن أو تتراكم عليّ الأفكار أصب كل تلك المشاعر على من حولي فأنفرهم مني ،منذ شهران بدأت عادة التدوين ولاحظت الفارق في نفسيتي وحياتي حيث أصبحت أكثر هدوئًا وتسامحًا وأصبحت أفكاري ومشاعري أكثر وضوحًا وفتحت بوابةً لفهم نفسي
مقالٌ هادفٌ أأمل أن يفيد الكثيرين بارك الله فيكِ💗💗