«قيامُ الليل شرفُ المؤمن »…
ليست جملةً وعظية عابرة تُقال لتزيين الخطب، بل حقيقةٌ يعرفها كلُّ قلبٍ ذاق لذة القيام... ـ
لأن الإنسان في هذه الدنيا .. في كبَد ... في تعب ... يتظاهر بالقوة أكثر مما يحتمل... ويبتسم أحيانًا فقط حتى لا يشرح كمية الفوضى التي في داخله...ـ
هناك معارك لا يراها أحد: خوفٌ من المستقبل، قلقٌ يوقظ القلب قبل الجسد، وحدةٌ وسط الزحام، وشعورٌ ثقيل بأن الروح تُستنزف ببطء...
والمؤلم أن الإنسان كلما حاول الهروب من هذا التعب بالدنيا… عاد أكثر تعبًا..!ـ
يمسك هاتفه ساعات ليهرب من التفكير، فيزداد اختناقًا…يضحك مع الناس طويلًا، ثم يعود إلى غرفته فيجد قلبه في معركة لا تنتهي.... ينام كثيرًا، فيستيقظ أكثر تعبا، و روحه لا ترتاح... يحاول أن يُرمّم نفسه بالخَلق، بينما الشيء الوحيد الذي كان يحتاجه حقًا… هو أن يعود إلى الله...
ولهذا كان قيام الليل شرفًا..
من أعظم نعم قيام الليل أنه لا يُشعرك أنك عبدٌ مثالي… بل يُشعرك أنك عبدٌ له ربّ رحيم به...ـ
وهناك فرق هائل بين الاثنين..!ـ
لأن الله يعلم أن القلوب تتعب.. وأن الأرواح تذبل.. وأن الإنسان ليس آلةً تستطيع الاحتمال إلى ما لا نهاية...
ففتح بابًا في آخر الليل… بابًا لا يدخله المتصنّعون، بل المنكسرون الصادقون الأوابون..
في النهار قد تُصلّي لأن الجميع يُصلّون... أما الليل… فلا أحد يراك... عداه سبحانه و تعالى..
فالعبادات التي يراك الناس فيها قد يُخالطها شيءٌ من حُبّ الصورة، أمّا تلك الخطوات البطيئة في آخر الليل نحو الوضوء، وذلك الوجه المُتعب الذي يقاوم دفءَ الفراش، وذلك القلب الذي قام لا لأن أحدًا يراقبه بل لأن الله يناديه… فذلك شيء آخر تمامًا..
فقط عبدٌ ضعيف، وربٌّ رحيم...
الليل يكشف حقيقة الإنسان..
و الذي يظن أنه يجب أن يكون كاملًا قبل أن يقترب من الله سيتعب كثيرًا، لأن البشر خُلقوا بالنقص أصلًا... أما الذي يفهم أن الاقتراب من الله هو الذي يُصلحه، فسيفهم سرّ الراحة التي يجدها القائمون في الليل...
من الذي يقوم من دفء فراشه لا لمدحٍ ولا لصورةٍ ولا لإعجاب أحد… بل فقط لأن قلبه اشتاق إلى مناجاة الله؟
ولذلك قال جبريل للنبي ﷺ: «يا محمَّدُ عِشْ ما شئتَ فإنَّك ميِّتٌ، وأحبِبْ من شئتَ فإنَّك مفارقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنَّك مجزِيٌّ به، ثمَّ قال : يا محمَّدُ شرفُ المؤمنِ قيامُه باللَّيلِ، وعِزُّه استغناؤُه عن النَّاسِ».
خذ نفسا عميقا و تأمّلها جيدًا…
لم يقل: شرف المؤمن ماله. ولا منصبه. ولا صورته أمام الناس. ولا كثرة من يعرفهم.
بل شيءٌ يحدث في الخفاء… بين عبدٍ وربّه.
عبادة الليل ..
وما أدراك ما الليل…
حين يهدأ العالم أخيرًا، وتنطفئ الأصوات، وتسقط الأقنعة، ويجلس الإنسان أمام حقيقة نفسه كاملة..
تبقى أنت… كما أنت حقًا.
لا مناصب. لا أقنعة. لا ادّعاء للقوة. لا محاولة لإبهار أحد.
هناك… لا يعود مهمًّا كم تبدو قويًا أمام الناس... بل كم أنت صادق مع الله..
الله لا يختبر فصاحة لسانك في الدعاء بل صدق قلبك!.ـ
ولهذا كان قيام الليل مُريحًا بطريقة لا يفهمها إلا من جرّبه.
لأن تلك الركعات تُزيل ذلك الاختناق الداخلي الذي تسببه الحياة...
كم من إنسان دخل الصلاة مُنهكًا… وخرج منها وهو يشعر أن شيئًا ثقيلًا نُزع من صدره..
لأن قلبه ذاق شعور التسليم و ما أدفأه من شعور !
وهل هناك طمأنينة أعظم من أن يعلم الإنسان أن ربّ السماوات يسمعه الآن؟
بعض الناس يظنون أن قيام الليل عبادة خاصة بالصالحين جدًا..
لكن الحقيقة المؤثرة أن أكثر من يحتاج قيام الليل هم: المتعبون، المثقَلون، الخائفون، الذين أرهقتهم المعاصي، الذين يحاولون النجاة من أنفسهم، الذين فقدوا شعور الطمأنينة منذ زمن...و كلنا هكذا !ـ
قيام الليل ليس مكافأة للكاملين… بل نجاة للمكسورين...
ولهذا قال الله تعالى يصف أهل الليل:
﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
“تتجافى جنوبهم عن المضاجع”… يا لها من صورة مؤثرة.
الجسد يريد النوم… لكن القلب يريد الله.
وهنا يظهر الحب الحقيقي…ـ
ليس الحب الذي يُقال بالكلمات، بل الحب الذي يجعلك تترك راحتك لتقف بين يدي ربك في وقتٍ ينام فيه الجميع...
ولهذا كان النبي ﷺ إذا اشتدت عليه الأمور قام يصلّي.
لأن الصلاة ليست واجبًا ثقيلًا على قلب المؤمن… بل مأوى.
والإنسان حين تضيق به الدنيا يحتاج مكانًا ينهار فيه بأمان.
ولا يوجد مكانٌ أكثر أمانًا من سجدةٍ في آخر الليل..
هناك… يبكي الإنسان بلا خوف.. يعترف بلا خجل.. يدعو بلا ترتيب للكلمات..ويشعر أن الله يفهمه حتى قبل أن يتكلم...
وما أعظم رحمة الله…
يفتح الباب كل ليلة، وكأن ذنوب الأمس لم تكن.
ينادي سبحانه في الثلث الأخير من الليل: «هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» كما ثبت في الصحيحين.
تأمّل هذا النداء جيدًا…
الله لا يقول: من الذي لم يُخطئ؟ ولا: من الذي كان كاملًا؟
بل يفتح الباب لكل متعب يريد العودة.
ولهذا فإن أعظم ما في قيام الليل ليس عدد الركعات… بل صدق الشعور و صحة النية..
تشعر أن لك بابًا عند الله.. أنك مهما ضعت تستطيع العودة... أن الدنيا ليست أكبر همك...أنك تسعى لإرضاء خالقنا سبحانه...
وكم من أناسٍ أصلحتهم سجدةٌ لم يعلم بها أحد...
فليس كل التحوّل يأتي عبر الخطب الطويلة... أحيانًا ركعتان صادقتان تُغيّران روح إنسان بالكامل..
ولهذا قال ﷺ: «عليكمْ بقيامِ الليلِ فإنَّه دأبُ الصالحينَ قبلكمْ، و قربةٌ إلى اللهِ تعالى، و منهاةٌ عنِ الإثمِ، و تكفيرٌ للسيئاتِ، و مطردةٌ للداءِ عنِ الجسدِ».
تأمل هذا الترتيب العجيب…
“قربة إلى الله”… فأعظم ما يحتاجه القلب هو القرب..
“ومنهاة عن الإثم”… لأن الذي يعتاد الوقوف بين يدي الله ليلًا، يصعب عليه أن يُصرّ على المعصية طويلًا..
“وتكفير للسيئات”… لأن الإنسان يضعف، والله يعلم ضعفه و حاجته لأن يغفر له..
قيام الليل إنعاش لقلب رانت عليه المعاصي...
فالروح إذا لم تُسقَ بالقرب من الله تذبل، مهما امتلك الإنسان من أسباب الراحة.
ولهذا ترى بعض الناس يملكون كل شيء… لكنهم قلقون دائمًا. وترى آخرين يحملون من الهموم ما لو وُزّع على الناس لأتعبهم، ومع ذلك في قلوبهم سكينة غريبة...
الفرق ليس في الدنيا… بل في علاقتهم بالله.
وما أحنّ الله على عباده…
كل الناس قد يملّون منك إذا تكررت شكواك، إلا الله.
كل الناس قد يضيقون بضعفك، إلا الله.
كل الناس قد لا يفهمون ما في قلبك، أما الله… فيعلم ما تُخفيه حتى عن نفسك.
ولهذا كان بعض الصالحين يقول: “أهل الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم.”
لأن لذة القرب من الله ليست شيئًا يُشرح… بل شيء يُعاش.
فإذا أثقلتك الحياة يومًا، وشعرت أن قلبك لم يعد يحتمل، وأن الضجيج داخلك أكبر من الكلمات…
فلا تبحث أولًا عن الناس..
ابحث عن سجادة..
توضأ .. و قم مستقبلا القبلة ... ولو بركعتين... ولو متعبًا.. ولو بقلبٍ مُثقَل. ولو بدعاء مرتبك...
فربّ سجدةٍ في ظلام الليل… أعادت إلى إنسانٍ نفسه، بعد أن كاد يفقدها...
و تذكر أن القائمين في الليل ليسوا أناسًا بلا معارك؛ بل لعلهم أكثر الناس تعبًا، لكنهم عرفوا أين يضعون تعبهم...عرفوا أن القلب إذا لم يجد خلوته مع الله، ستأكله الدنيا قطعةً قطعة…ـ
فإن أثقلتك الحياة يومًا، ولم تجد من يفهمك، ولم تعد الكلمات تُخفف عنك شيئًا… فلا تنسَ أن لله بابًا يُفتح كل ليلة.
بابًا لا يُغلق في وجه المذنبين... ولا المنهكين... ولا التائهين... ولا الذين عادوا بعد طول غياب
باب لو ذقتَ لذته .. لما طلبتَ بعدها في الدنيا شيئا آخر ..ـ
رزقنا الله و إياكم لذة القيام و جعلنا من أهله و ثبتنا على دينه..ـ
شكرا لقراءتك ـ♡︎ـ



امين يارب جزاك الله خير ، نصك هنا جميل و فهمت المعنى (كل الناس قد يملّون منك إذا تكررت شكواك، إلا الله.
كل الناس قد يضيقون بضعفك، إلا الله.)
لكن انتِ تقولين كُل الناس إلا الله تضعين الله استثناء من الناس و الله ليس جزء من الناس لذلك لا يصح قول الا الله بل لكن الله لا
و شكراً على مقالكِ الله يكتبه في ميزان حسناتك.
المقال رائع هل لي بنسخه ؟!
جزيت خيراً وبورك فيك