كلما أسرعتَ، تأخرتَ عن نفسك؛ هكذا يبدو واقعنا اليوم، سباقٌ محموم لا نعرف وجهته، نركض فيه خلف قوائم مهام لا تنتهي، ظانين أن قيمتنا تُقاس بعدد الساعات التي نستهلكها في العمل أو الإنجاز.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة هي أننا كلما زِدنا في سرعتنا، فقدنا القدرة على "الاستشعار"، وأصبحنا مجرد آلات تحركها الضرورات لا الإرادات.
لقد انتقلت عدوى العجلة حتى إلى أهم لحظاتنا؛ فنحن نقرأ القرآن لنختم أجزاءً منه دون أن نتدبر آيةً واحدة تلمس قلوبنا، ونؤدي الصلاة كأننا نسعى لإنهاء مهمة كسائر المهام ، فتمرُّ أركانها دون أن يذوق فيها القلب طعم السكينة أو الخشوع..!ـ
حتى طعامنا، الذي هو وقود حياتنا، أصبح نبتلعه على عجل، لا نمضغه كما ينبغي ولا نستشعر نعمة الله فيه، ففقدت المائدة بركتها وهدوءها..
نفكر في المهمة التالية و نحن لازلنا في التي قبلها .. و هكذا عقلنا يغلي دوما بسيل غير منقطع من الأفكار و الخطط.!ـ
لقد تذكرتُ في خضم هذا.. مشهداً من حوارٍ دار بين فتاة فرنسية وأخرى يابانية في بودكاست ، وحين سألتها المضيفة (الفرنسية) عن نصيحةٍ توجهها للمستمعين، كان رد الضيفة اليابانية عميقاً وبسيطاً كالحكمة، إذ نصحتهم بأن يتوقفوا عن هذا الركض، وأن يمنحوا لأنفسهم الحق في التمهل والتركيز على تفاصيل الحياة الأخرى التي تقع خارج إطار الوظيفة، مدركةً تماماً قيمة العمل التي يقدسها مجتمعها، لكنها آثرت التذكير بما هو أهم.
ومِن منطلق هذا التعليق ، يتجلى لنا تشريحُ الخوف النفسي الجاثم فوق صدورنا: لماذا نخشى التوقف إلى هذه الدرجة؟
الحقيقة الجلية التي نتهرب منها جميعاً هي أننا ربطنا قيمتنا بمدى إنتاجيتنا وسرعتنا، حتى أصبحت السكينة في عيوننا تهمة بالكسل، والغفوة عن الركض شعوراً خانقاً بالذنب؛
لكن مهلا … تذكر أن "لنفسك عليك حقاً"… ـ
إن هذا اللهاث المستمر ليس سعياً واعياً نحو المجد، بل هو رداءٌ زائف نرتديه لندفن تحته مخاوفنا ونخرس به صوت شتاتنا؛ نتوهم أنه إن تباطأت خطواتنا يوماً، سيفوتنا قطار الحياة ويسحقنا نجاح الآخرين، متناسين أن من يفقد ذاته في زحام الممر، لن ينفعه قطار ولا وصول…!ـ
هنا يجب أن نضع حداً فاصلاً؛ فالتأني الذي ندعو إليه هو "تأني النفس" وسكينتها، لا تعطل العطاء… إن العجلة المذمومة هي تلك التي تسرقك من نفسك، أما المسارعة في الخيرات فهي وقودٌ لا يطفئ السكينة، بل يغذّيها. نحن لا ندعو إلى الخمول، بل إلى موازنةٍ دقيقة: تأنَّ في صلاتك، في تدبرك، في إتقان عملك، وفي حضورك مع أحبابك.. ولكن حين يلوحُ فعلُ خيرٍ أو مكرمة، كن سبّاقاً..! ، فالمبادرة بالبذل هي الجزء الوحيد من السباق الذي لا ينهك الروح بل يحييها.
وهنا تحديداً تبدأ لحظة تفطن حقيقية ؛ انظر إلى مشهدٍ بسيط كاليد التي تتأنى في وخز الإبرة وتوجيه الخيط وسط قماش التطريز؛ إن صاحبها لا يصنع مجرد زينة، بل يدخل في سكينةٍ لا تُشترى بالمال… حرفيا “لا تشترى بالمال" .. في تلك الغرزة المحددة، ينكمش الزمن ويموت المستقبل القلق والماضي المزعج، ليولد "الآن" بكل ثقله وصفائه…
ولاحظ كذلك مدى هدوء و حضور الرسام و ريشته تعبث بحرية و انسياب فوق اللوحة ، أو مدى سعادة الطباخ و هو يزين قطعة الكيك ، أو مدى انفصال الكاتب عن مشتتات عالمنا و هو يضيف فصلا لكتابه ، و غير هذا الكثير…!ـ
(لهذا أشجع كثيرا على العمل اليدوي لمحاربة التشتت و الاحتراق النفسي !)
التمهل هنا ليس انسحاباً سلبياً، بل هو شجاعة إجبار العقل على العودة من تشتته الرقمي والدنيوي إلى حقيقة وجوده الحاضر، وهو القرار الأسمى بأن تستعيد سيطرتك على روحك التي وزعتها هباءً في كل غرضٍ خارجك…
هذا المنظور يقلب موازين الإنتاجية الزائفة التي استنزفتنا؛ فالتأني ليس تباطؤاً يعطل العطاء، بل هو ترشيدٌ حكيم للطاقة النفسية التي نُهدرها في القلق العشوائي…
الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بكمِّ المهام التي حشرتها في ساعتك لتتباهى بها، بل بكم كنتَ "أنت" حاضراً بقلبك وعقلك في تلك الساعة وبقدر ما أتقنتَ عملك! ـ
عندما تصلي بتأنٍّ، وتأكل ببطء، وتدبر الآية الواحدة، فإنك تعيد ترتيب فوضى النفس؛ فالقلق لا يزول بقطع مسافات أكبر في الحياة، بل بقطع صلتك بوهم الاستعجال والركض خلف السرعة والكمال الزائفين…ـ
خفف عن كاهلك هذا العبء الثقيل؛ فالعالم لن ينهار إذا أخذتَ نفساً عميقاً، وقوائم المهام لن تنتهي حتى لو انتهى عمرك.
إن أسرع طريق لتصل إلى نفسك التي تاهت وتأخرتْ عنك في ممرات العجلة، هو أن تتوقف الآن عن الركض.
الهدوء الذي تبحث عنه وتظنه غايةً مؤجلة في نهاية الطريق، ليس مكاناً تصل إليه، بل هو حالة تختارها أنت بنفسك، بكامل وعيك..
في وسط هذا الزحام، لتضم روحك المتعبة برفق إلى صدرك وتصنع من سكونك رزانةً تعي بها ما تفعله…
تحدَّ نفسك فيما تبقى من يومك: "أن تتأنى في عملك وتتقنه"، وانظر الفرق بنفسك! ـ
وتذكر دائماً:
أنت لا تملكُ سوى هذه اللحظة؛ فإما أن تعيشها بسلطانِ السكينة، أو تضيعها في عبوديةِ الركض المحموم… ـ
شكرا لقراءتك ـ♡




مقال قمّة في الروعةاللهم بارك ^^💕 ! .
كنّا و لا نزال نحتاج من يذكرنا بمثل هذا الكلام ،
رائع و في الوقت المناسب سبحان الله 🥰