هل لاحظتَ يومًا، وأنت تمرُّ بجانب مرآةٍ في غفلةٍ من يومك، أن الوجه الذي يطلُّ عليك يبدو غريبًا؟
ليس غريبًا لأن ملامحه تبدلت، ولا لأن الزمن خطَّ فوقه ما يخطه على كل الوجوه، بل لأنك تشعر أن شيئًا غير مرئيٍّ قد استقر عليه. كأن هذا الوجه يحمل عبرات دفينة، وأكثر مما تستوعبه الملامح.. تنظر إليه، ثم يمر في داخلك سؤالٌ سريع، لا تمنحه الوقت الكافي ليكتمل، لأنك تعرف أن الإجابة ستؤلم:متى أصبحتُ بهذا الثقل؟
والغريب أن أحدًا لا يخبرنا متى يبدأ هذا الثقل. فلا يوجد صباح تستيقظ فيه لتجد نفسك قد أصبحت "كبيرًا". الأمر يحدث كما ينحت الماء الصخر؛ ببطءٍ شديد حتى يخدعك. كل خيبةٍ صغيرة، كل مسؤوليةٍ جديدة، كل وداعٍ ظننته عابرًا، كل مرةٍ قلت فيها: "لا بأس، سأتحمل"... كانت تضع حجرًا صغيرًا في جيب روحك. حجارةٌ لا نشعر بها وهي تتراكم، لكننا نشعر بها فجأة حين نحاول أن نركض كما كنا نفعل، فنكتشف أن أقدامنا لم تعد تعرف الخفة..
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل بعض الناس يشتاقون إلى طفولتهم، مع أنهم لو عادوا إليها لاختاروا أن يكبروا مرةً أخرى..!
نحن لا نشتاق إلى قلة المسؤوليات كما نظن، بل نشتاق إلى الطريقة التي كنا نحمل بها الحياة. كان القلب يومها واسعًا بما يكفي ليحتوي العالم كله، دون أن يشعر بأنه مثقلٌ به.
انظر إلى تلك الفقاعات التي تعبر في الصورة.
أتعرف لماذا تبدو مؤثرةً إلى هذا الحد؟
لأنها تفعل ما نسيناه.
تطفو.
أما نحن... فصرنا نجرُّ أنفسنا.
إنها لا تملك شيئًا، ولذلك تستطيع أن تحمل السماء كلها فوق سطحها الشفاف. أما نحن، فكلما جمعنا شيئًا، شعرنا أن شيئًا آخر في الداخل صار أفقر. نجمع الشهادات فنخسر شيئًا من الطمأنينة. نجمع المال فنخسر شيئًا من الوقت. نجمع الخبرة، فنفقد شيئًا من الدهشة. حتى يصبح الإنسان، بعد سنواتٍ طويلة من الجمع، فارغًا من تلك الأشياء التي لا تُشترى أصلًا.
وليس هذا لأن الحياة قاسية كما نردد دائمًا.
بل لأننا تعلمنا، دون أن نشعر، أن نقيس أنفسنا بما نملك، لا بما نحن عليه.
حين كنت طفلًا، لم تكن تحتاج إلى سبب لتفرح. كانت علبةٌ فارغة تتحول إلى سيارة، وقطعةُ خشبٍ إلى سيف، وسحابةٌ إلى ديناصور، وفقاعةُ صابونٍ إلى كوكبٍ كامل
لم يكن خيالك يطلب إذنًا من الواقع.
كان يضيف إليه ما ينقصه، لا ما يسمح به.
ثم كبرت.
وبدأ العالم يربي فيك عادةً غريبة.
أن تشك في كل شعورٍ جميل.
إذا ضحكت كثيرًا، سألت نفسك: ماذا سيحدث بعد هذا؟
إذا أحببت، بدأت تخاف الفقد قبل أن تعيش اللقاء.
إذا نجحت، انشغلت بالفشل القادم.
حتى الفرح... لم يعد يُعاش كاملًا، لأن نصفه صار مشغولًا بالخوف من نهايته.
ولهذا لم يعد الحزن أثقل ما نحمله.
بل توقع الحزن.
وهناك فرقٌ هائل بينهما..!
الحزن يزورك ثم يمضي.
أما توقعه، فيجلس معك على المائدة كل يوم، ويشاركك حتى لحظاتك السعيدة، يهمس لك: "لا تتعلق كثيرًا... كل شيء سيرحل."
وهكذا، شيئًا فشيئًا، لا يعود الإنسان يعيش الحياة، بل يعيش احتياطاته منها.
يحب باحتراس.
ويحلم باحتراس.
ويثق باحتراس.
ويفرح باحتراس.
حتى يصبح الاحتراس أسلوب حياة، لا رد فعل.
لكن، هل هذه هي الحكمة فعلًا؟
أم أنها مجرد صورة أنيقة للخوف؟
---
ولعل أول خدعةٍ يقنعنا بها الكِبر، أنه يعني أن نفقد الطفل الذي في داخلنا.
والحقيقة ليست كذلك.
الطفل ينتظر.
ينتظر تلك اللحظة التي تنظر فيها إلى السماء دون سبب، أو تتوقف لتتأمل شجرة، أو تبتسم لطفلٍ لا تعرفه، أو تبكي من آيةٍ سمعتها مئة مرة، لكنها لامست قلبك في المرة الواحدة بعد المئة…!ـ
هناك يدرك الإنسان أن قلبه لم يمت.
لقد كان فقط مدفونًا تحت طبقاتٍ من الانشغال.
ولعل أجمل ما في هذا القلب أنه، مهما أثقلته الدنيا، لا ينسى الطريق إلى الخفة إذا وجد شيئًا صادقًا يوقظه.
ولهذا، لم يكن أعظم ما يخشاه الإنسان عبر التاريخ هو الفقر، ولا المرض، ولا حتى الموت.
كان يخشى أن تتحول الحياة إلى عادة "روتين مميت"…
أن يستيقظ، ويأكل، ويعمل، ويعود، وينام... دون أن يشعر أن شيئًا في داخله قد عاش فعلًا.
ولذلك، لم تكن المشكلة يومًا أن السنوات تمر.
فالسنوات خُلقت لتمر.
!ـ
التغير ليس خطأً في العالم.
إنه قانونه…!
لكننا، في مكانٍ ما، أقنعنا أنفسنا أن النضج يعني مقاومة هذا القانون. أن نمسك بكل شيء، وأن نمنع الأيام من أخذ ما جاءت لتأخذه.
فنعيش مرهقين...
لا لأن الحياة أثقل مما ينبغي،
بل لأننا نحاول حمل و تجربة كل شيء في نفس العمر..
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
ليس: هل نخاف أن نكبر؟
بل:
لماذا نقاوم الكِبر كما لو أنه عدو، مع أنه الباب الذي يعبر منه كل إنسانٍ نحو الحكمة، والرحمة، ومعرفة نفسه؟
وربما... لأننا لم نفهمه بعد.
ولأن ما نسميه "خوفًا من الكِبر"... ليس إلا بداية قصةٍ أعمق بكثير، قصةٍ تبدأ حين يكتشف الإنسان أن الحياة لن تطلب منه أن يعيش كل الاحتمالات، بل أن يختار وفق مرجع وثيق ألا و هو ديننا الحنيف ، وأن يحب ما اختاره، وأن يسلّم، في نهاية الأمر، بأن بعض الأبواب لم تخلق لندخلها.
☁️
كان العالم، في طفولتنا، يشبه سماءً بلا حدود.
لم يكن أحد يسألك: "ماذا ستكون حين تكبر؟" بالطريقة التي يفهمها الكبار اليوم. كان السؤال نفسه لعبة. فتجيب اليوم: طبيبًا. وغدًا: رائد فضاء. وبعد أسبوع: رسامًا، ثم بحارًا، ثم عالم آثار، ثم لاعب كرة، ثم شاعرًا. ولم يكن أحد يرى في ذلك تناقضًا، لأن الطفولة لا تعرف التناقض؛ إنها تؤمن أن القلب يتسع لكل شيء.
الغريب أن الطفل لا يخاف من كثرة الاحتمالات.
أما الراشد...
فيخاف من ضيق العمر.
وهنا يبدأ التحول الذي لا ينتبه إليه معظمنا.
لا يكبر الإنسان حين يزيد عمره، بل حين يكتشف للمرة الأولى أن حياته ليست طويلة بما يكفي ليعيش كل الاحتمالات التي أرادها..
فجأة، لا يعود السؤال: "ماذا أحب؟"
بل يصبح: "أي شيء يجب أن أترك؟"
وهذا سؤال مختلف تمامًا.
لأن كل اختيار، في جوهره، ليس إعلانًا عن طريقٍ جديد، بل إعلان وداعٍ لطريقٍ آخر.
حين تختار تخصصًا، لا تدرس ما أحببته فقط، بل تودع مئات العلوم التي لن يكون لديك العمر لتغوص فيها كما تمنيت.
حين تختار مدينةً لتعيش فيها، فإنك، دون أن تشعر، تقول وداعًا لحياةٍ كاملة كان يمكن أن تعيشها في مدينةٍ أخرى.
حتى حين تختار إنسانًا تحبه...
أنت لا تختاره وحده.
أنت تودع كل القصص الأخرى التي كان يمكن أن تبدأ ثم لن تبدأ أبدًا.
ولذلك، فإن النضج ليس أن تتعلم كيف تختار.
بل أن تتعلم كيف تودع...
☁️
وهنا يولد التشتت.
كثيرون يظنون أن التشتت سببه كثرة الملهيات، أو الهواتف، أو وسائل التواصل.
هذه كلها أعراض.
أما المرض الحقيقي، فهو أعمق بكثير.
إنه رفض القلب لفكرة الفقد.. أو تفويت شيء ما …
نحن لا نؤجل القرار لأننا لا نعرف ماذا نريد.
بل لأننا نعرف أن القرار سيغلق أبوابًا أخرى.
نريد أن نكون كل شيء.
أن نقرأ كل الكتب.
أن نزور كل البلاد.
أن نتقن كل اللغات.
أن نعيش كل القصص.
أن نحافظ على كل العلاقات.
أن نرضي كل الناس.
أن نحقق كل الأحلام.
ثم نفاجأ، بعد سنوات، أن العمر كان يمضي بينما كنا منشغلين بجمع الخرائط، ولم نبدأ السير.
كم من طالبٍ غيّر تخصصه مرةً بعد أخرى، ليس لأنه لا يحب شيئًا، بل لأنه كان يخاف أن يظلم حلمًا آخر؟
وكم من شابٍ بقي سنوات يؤجل مشروعه، لأنه كان ينتظر الفكرة الكاملة، حتى سرقت السنوات حتى الفكرة نفسها؟
وكم من فتاةٍ أنهكتها المقارنة، لا لأنها فاشلة، بل لأنها كانت تنظر إلى نجاح الجميع في اللحظة نفسها، وتطلب من نفسها أن تعيش كل تلك الاحتمالات دفعةً واحدة؟
.
نحن نتعب من النظر إلى الطرق التي لم نسلكها أكثر من تعبنا في المسير في الطريق نفسه!ـ
☁️
ولذلك، أصبح الإنسان الحديث يعيش ظاهرةً غريبة.
يجلس في المكان الذي تمنّى الوصول إليه سنوات...
ثم يقضي وقته يتخيل المكان الذي لم يذهب إليه.
يحصل على الوظيفة التي سهر من أجلها...
ثم ينظر إلى من اختار وظيفةً أخرى، ويتساءل: ماذا لو؟
و تدري أن “لو” تفتح باب الشيطان..
يتزوج الإنسان الذي دعا الله طويلًا أن يجمعه به...
ثم يقارن حياته بحياةٍ لا يعرف منها إلا الصور.
حتى النعم...
لم تعد تُعاش.
صارت تُقارن.
وكأن القلب لم يعد يعرف الامتنان ...
--
وهذه المقارنة لا تسرق الفرح فقط.
بل تسرق الهوية.
لأن الإنسان حين ينظر إلى الجميع، ينسى أن ينظر إلى نفسه.
فيبدأ بتغيير ملامحه الداخلية، لأنه تعب من محاولة اللحاق بكل شيء، و مَن يطارد أرنبين لا يحصل على أي منهما ! فمابالك بمن يطارد عشرات الأرانب…!ـ
يرتدي شخصيةً هنا.
وقناعةً هناك.
وحلمًا مستعارًا في مكانٍ آخر.
ثم، بعد سنوات، يقف أمام المرآة التي بدأنا منها، ويسأل:
"لماذا أشعر أنني لا أعرف هذا الإنسان؟"
لأنه، ببساطة، أمضى عمره يحاول أن يكون الجميع...
إلا نفسه.
---
لهذا تأتي الانعطافات.
تأتي الخسارة التي لا تفسير لها.
ويأتي الفشل الذي لا تشفع له الاجتهادات.
وتأتي اللحظة التي تتعطل فيها كل الخطط دفعةً واحدة.
فالإنسان لا يسمع قلبه وهو يركض.
ولا يسمع صوت ضميره الذي يوعيه بالحلال و الحرام وهو غارق في ضوضاء الاحتمالات المتسارعة ..
أحيانًا، لا يكون تأخر الوصول حرمانًا…بل حمايةً من أن تصل إلى المكان الخطأ ..
وأحيانًا، لا يكتب الله لك دخول باب كنت تبكي عنده، لأنه يعلم أن قلبك لو دخل منه، لخسرت دينك..
لكننا لا نفهم هذا ونحن في منتصف الطريق.
نفهمه بعد سنوات.
حين نلتفت إلى الوراء، ونكتشف أن أكثر الأقدار التي قنطنا عندها... كانت أكثرها رحمة.
وربما لهذا، لم يكن المطلوب من الإنسان يومًا أن يعرف كل شيء.
ولا أن يختار دون أن يخاف.
ولا أن يمشي دون أن يتردد.
المطلوب فقط...
أن يسير مجاهدا نفسه..
أن يقبل أن الطريق لا يكشف نهايته دفعةً واحدة..
---
وفي النهاية...
ربما لم نكن نخاف أن نكبر يومًا.
كنا نخاف أن نكتشف أن الحياة ليست كما رسمناها، وأن القلوب لا تنجو من الفقد، وأن بعض الأحلام وُجدت لتدلنا على الطريق، لا لنصل إليها، وأن الإنسان لن يصبح يومًا النسخة الكاملة التي ظل يطاردها.
أليس في هذا رحمة؟
لو بقي كل شيء كما أردناه، لما عرفنا معنى الرضا. ولو لم تذبل الأزهار، لما فهمنا قيمة الربيع. ولو لم تتكسر قلوبنا بين حينٍ وآخر، لظننا أننا نستطيع العيش بعيدًا عن الذي يجبر الكسور..
ربما لم تكن السنوات تأخذ منا شيئًا.. بل كانت تعلمنا أمورا شتى...
تنزع غرور القوة، حتى نتعلم معنى الافتقار.
وتنزع وهم السيطرة، حتى نستريح إلى حكمة المدبر.
وتنزع كثرة الطرق، حتى نكتشف أن الطريق الذي كتبه الله لنا، لم يكن أضيقها... بل كان أرحمها.
لهذا، إذا مررت يومًا بجانب مرآة، ورأيت في وجهك تعب الأعوام، فلا تحزن.
وتذكر أن الأشجار لا تعتذر عن سقوط أوراقها، وأن الأنهار لا تخجل من المنعطفات، وأن السماء لا تأسف لأن الغروب يأتي كل مساء.
فهذه ليست علامات النهاية...
بل آثار الرحلة.
وإذا رأيت فقاعات الصابون تعبر أمامك مرةً أخرى، فلا تأسف لأنها ستختفي بعد لحظات.
ابتسم.
لأنها جاءت لتخبرك بسرٍ ظللنا نقاومه عمرًا كاملًا:
أن الحياة لا تُقاس فقط بشهاداتك و شهرتك و حب الناس لك ..بل بما بذلته فيها سعيا لحياة أخرى أبدية ..
وحين تفهم ذلك...
لن تخاف أن تكبر.
ستخاف فقط...
أن يمر العمر، دون أن تبذل فيه ما يجعلك لله أقرب...
شكرا لقراءتك ـ♡








ماشاءالله تبارك الله انا منبهرة جدًا من الكلمات وحتى اختيار الموضوع ، الله يجعله لك علمًا نافعا في دنيا والاخره🤍
مره حلو مرره💖🥺