من القصص التي أحببتها في طفولتي و لطالما قرأتها و استمعتُ إليها مرارا و تكرارا دون ملل ..
أتحدث إليكم اليوم عن مملكة.. مملكةٍ كانت من أعظم ممالك التاريخ، سادت ثم بادت, وذهب سلطانها وهيلمانها حتى أصبحت أثراً بعد عين, وغدت روايةً تُحكى, فإلى حديثِ القرآن وهو يعرض قصة هذه المملكة ويسجلُ أحداثها ونهايتها عبرة لأولي القلوب و الأبصار ..
وسبأ اسمٌ لقوم كانوا يسكنون جنوبي اليمن، وقد ذكر الله قصتهم في كتابه الكريم...
و"سبأ" في الأصل : اسم رجل يجمع أصول عددٍ من القبائل، قَالَ ابْنَ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ سَبَأٍ، مَا هُوَ: أَرَجُلٌ أَمِ امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ؟ فَقَالَ: "بَلْ هُوَ رَجُلٌ وَلَدَ عَشْرَةً، فَسَكَنَ الْيَمَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَبِالشَّامِ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فَأَمَّا الْيَمَانِيُّونَ: فَمَذْحِجٌ وَكِنْدَةُ وَالْأَزْدُ وَالْأَشْعَرِيُّونَ وَأَنْمَارٌ وَحِمْيَرُ، عَرَبًا كُلَّهَا، وَأَمَّا الشَّامِيَّةُ: فَلَخْمٌ وَجُذَامُ وَعَامِلَةُ وَغَسَّانُ"[رواه أحمد وقال شاكر: إسناده صحيح]
قال تعالى : (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ).
كانت مملكة سبأ، من ممالك اليمن العظيمة.. وكان أهلها في أرضٍ خصبةٍ وثمرةٍ يانعةٍ, جنتان عن يمين وشمال, رمزٌ ناطقٌ بالخضرة والجمال, والرخاءِ والمتاع... رغد عيش و رفاهية يتمناها كل بشر..
و انظروا لهذا الوصف لتتقرب الفكرة : قال قتادة -رحمه الله-: "كانت المرأة تمشي تحت الأشجارِ وعلى رأسها مكتل أو زنبيل, فتساقط الثمار فيه من غير حاجة إلى كلفة أو قطاف, لكثرته ونضجه, واستوائه".
ووهب الله قوم سبأ ذكاءً ودهاءً، فتحكموا في القطرِ النازل من السماء.. أقاموا خزّانًا طبيعيًا، جانباه من جبلين عظيمين، وجعلوا بينهما على فم الوادي سدًا كبيرًا به عيون تفتح وتغلق، وهو سد مأرب الشهير!! فكانوا يرتعون فيه, ويسقون زروعهم ومواشيهم, في نظامٍ متقنٍ بديعٍ ذي هندسة فريدة ، لقد كانت حياتهم حياة الرفاهية بكل ما تحمله الكلمات من معانٍ، ولم يكن في بلادهم شيء من البعوضِ أو الهوامِ لاعتدال الهواءِ، وصحةِ المزاج، وعناية الله الفائقة بهم، قال تعالى : (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) ، بلدة طيبة معطاء، آمنة مطمئنة رخاء.. ورب غفورٌ, ودودٌ رؤوف, جوادٌ رحيم, فأي عذر بقي لأولئك يحول بينهم وبين حسن القصد والعمل؟!
ترى ماذا كان يضير سبأ لو أطاعوا ربهم, وآمنوا برسله؟، ماذا كان يضيرُهم لو عرفوا للمتين الوهاب حقه, وأدركوا أن ما يتمتعون به من النعيم المقيم, والظل الوارف, والماء المسكوب, هو فضلٌ من الله ومنة؟!! فلم التجبر والطغيان؟؟
قال تعالى : (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).
(فأعرضوا).. هذا هو مَكمَن الخطأ, وبدايةُ النهاية, وبوادرَ الكارثة.. أعرضوا عن شكر النعمِ, وإجابة المرسلين, واستبدلوا بعبودية الله عبودية شمس تشرق وتغرب, ويحجب أشعتها ركامٌ يسير من السحاب!
يا لَخيبتهم وتعاستهم!! نِعَمٌ تتنزلُ صباح مساء, وعطاءٌ بلا حدود, وفضلٌ بلا قيود، ثم يُقابَل ذلك كلُه, بتأليهِ شمسٍ مأمورة, لا تنفع ولا تضر.. إن هذا لهو الضلال المبين!.
(فأعرضوا)
.. فأرسلنا عليهم سيل العرم، يقتلع أشجارهم, ويُفسدُ ثمارهم, ويقوضُ ديارهم, ويطمسُ زهرة حياتهم.
لقد كان سيلاً مهولاً يحطم كل شيء، ويدمر كل شيء, يحمل في طريقه الصخورُ العاتية, لتحطيم السد العظيم.
قال تعالى : (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) يا سبحان الله! هكذا في ساعةٍ من نهارٍ, إذ بالجنان الفيحاء والحدائق الغناء, تنقلب صحراءَ قاحلةً وبلاقع هامدة, لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأً!! وإذ بالثمار الناضجة, والظلال الوارفة, تتحول إلى شوكٍ حادٍ, وأثلٍ يابسٍ وشيءٍ من سدرٍ قليل, مع لوعةٍ في القلب موجعةً, وحسرةٍ في الصدر كامنةً, ودمعةٍ في العين حارة، وما أهون الخلق على الخالق حين يعصون أمره. وليت الحالةُ البائسةُ وقفت عند هذا الحد.. كلا، فما زالت فيهم بقيةٌ من نعمةٍ تنتظر التدمير والإهلاك.
قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ).
لقد كان طريق سبأ، من اليمن إلى الشام، طريقاً مأمون الاتجاهات، محدود المسافاتِ، على جانبيه قرىً متلاصقة, لا يكادُ المسافرُ يخرج من قريةِ إلا يدخلُ الأخرى, فلا يحتاج في الحالة هذه إلى حمل زادٍ أو طعام, ولكن غلبت الشِقوةٌ على الأشقياء من سبأ (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ربنا اجعل بين أسفارنا مسافاتٍ بعيدة, ومفاوزَ شاسعة، حتى نشعر بعناءِ السفر ومشقتِه!!.
يا للجنون والطيش! أناسٌ هيئ الله لهم قرىً متقاربة، وطرقاً آمنة, فإذا بهم يتطلبون المسافات البعيدةِ, والقرى النائية.
(وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَا هُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
لماذا يحدثنا الله حديث سبأ, ويقصُ علينا نبأهم؟
إن الغاية التي من أجلها يقص علينا الله أخبار الأمم هي الاعتبار بالآيات، كما ختم الله القصة بقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
إنه لا فضل لنا على سبأ ولا لسبأ علينا, إلا بالإيمان والتقوى, والله لا يحابي أحداً, فمتى حصلَ الكفرُ والطغيانُ, والبطرُ والعدوان,ُ فالعقوبةُ جاهزة، والنقمةُ حاضرة, وما ربك بظلامٍ للعبيد.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).. فما يعي الدروس, ولا يستلهمُ العبَر إلا من اتصف بالصبرِ والشكر.
أما الصبر: فهو توطين النفس على طاعة الله, وكفها عن محارمه, وبذل النفس والنفيس لإرضاء الخالق جل جلاله!!
وأما الشكر: فما أكثر ما يظلمهُ الناس, ويسيئون إليه, حين يحسبونه تمتمة باللسان, وحركة في الشفاه, دون استشعار لمعناه العظيم, ومفهومه الكبير!
ألا إن الشكر الذي تدوم به النعم وتزداد، وجدانٌ وشعورٌ قلبي, وعملٌ وسلوكٌ واقعي, وثناءٌ جميلٌ على المتفضل بالإحسانِ جل في علاه.
إذا كنت فِي نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد *** فرب العباد سريع النقم
القصة مقتبسة عن مراجع عديدة بتصرف شخصي .


