لو سألتك الآن: ما أكثر كلمة كلّفتك من عمرك دون أن تشعر؟ فربما ستفكر في كلمات مثل: "وداعًا"، أو "أكرهك"، أو "انتهى". لكنني أظن أن أكثر كلمة استنزفت أعمارنا جاءت أنيقة بثلاثة أحرف فقط، وكانت تُقال بابتسامة:
"نعم."
ليست "نعم" التي يقولها القلب وهو راضٍ، فهذه تبني العلاقات، ولا "نعم" التي تُقال لوالدٍ يحتاجك، أو لصديقٍ ضاقت به الدنيا، أو لفرصةٍ تستحق أن تُغتنم. بل تلك "النعم" الصغيرة التي خرجت من أفواهنا بينما كانت أرواحنا تهمس: "ليتني قلت لا." تلك التي قلناها لأننا خفنا أن يظن أحد أننا تغيّرنا، أو أصبحنا أنانيين، أو أقل لطفًا مما اعتاد. والغريب أن معظمنا لا يتذكر هذه اللحظات لأنها كانت مجرد تنازلات صغيرة، مهذبة، حتى بدت غير جديرة بأن تُسمى خسائر. لكن بعض الخسائر لا تأتي على هيئة كوارث، بل على هيئة مجاملات متكررة..
نحن نميل إلى الاعتقاد أن الشخصيات تتغير فقط بفعل الأحداث الكبيرة؛ موت عزيز، أو فشل موجع، أو خيانة تهز القلب .. و هذا فعلا يغير الإنسان جدا .. .
لكن الحقيقة المجهرية أكثر دهاءً..!
الشخصية تُعاد كتابتها في التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد. في كل مرة تكتم فيها رأيًا حتى لا تُغضب الجالسين، وفي كل مرة تضحك على مزحة لم تعجبك لأن الجميع يضحكون، وفي كل مرة تسمع هاتفك يرن، فتشعر بانقباض قبل أن ترى اسم المتصل، ثم تجيب بصوت مفعم بالحيوية وكأنك لم تكن تتمنى قبل ثوانٍ فقط لو أن العالم كله نسي رقمك لهذا المساء..! . ليست المشكلة في المكالمة، بل في المسافة الهائلة بين ما شعرت به وما سمحت لنفسك بأن تقوله.
ولأننا نحب أن نرى أنفسنا بصورة جميلة، فقد اخترعنا أسماءً أنيقة لهذه الظاهرة. نسميها لطفًا، وذوقًا، ومرونة، وحسن عشرة، وحبًا للخير. ومع أن كل هذه الصفات نبيلة في أصلها، فإنها تتحول أحيانًا إلى أقنعة يرتديها الخوف. ليست المشكلة أن تكون لطيفًا؛ المشكلة أن تصبح اللطافة هي المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان .. ليست المشكلة أن تساعد الناس؛ المشكلة أن تعجز عن التوقف عن مساعدتهم حتى عندما يبدأ ذلك في تدميرك.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يقول الناس "نعم" كثيرًا؟ بل: لماذا يخاف إنسان بالغ، عاقل، مستقل، من أن يقول "لا"؟ لماذا يرتبك قلبه قبل أن يعتذر عن دعوة لا تناسبه؟ لماذا يشعر بالذنب إذا أغلق هاتفه ليرتاح؟ لماذا يعتذر عشر مرات قبل أن يرفض طلبًا يعلم يقينًا أنه فوق طاقته؟ نحن لا نفعل ذلك لأن كلمة "لا" صعبة في ذاتها، بل لأننا نخشى الثمن الذي قد يأتي بعدها؛ نظرة استغراب، أو اتهامًا بالأنانية، أو صمتًا باردًا، أو علاقة تتغير.
والعجيب أن هذا الخوف لا يولد معنا، بل نتعلمه بهدوء، حتى نظن بعد سنوات أنه جزء من شخصياتنا.
ركز معي في ما سيأتي ..
لو تأملت طفلًا في الرابعة من عمره، لوجدت شيئًا نفتقده جميعًا. إنه لا يعتذر عن وجوده.. بل يكون مباشرا جدا، شعوره متوافق تماما مع ما يعبر عنه..!
إذا جاع قال: أنا جائع. وإذا تعب جلس حيث هو. وإذا لم يحب طعامًا هز رأسه ببساطة، ثم عاد إلى اللعب كأن شيئًا لم يكن. لا يخطط لصورته في أذهان الآخرين، ولا يخشى أن يخيب توقعاتهم، لأنه لم يتعلم بعد أن الحب يمكن أن يصبح مشروطًا. لم يتعلم أن بعض الناس يوزعون القبول كما تُوزع المكافآت؛ لمن يطيع، ولمن يرضي، ولمن لا يزعج أحدًا.
ثم نكبر.
ويبدأ العالم، بحسن نية أحيانًا، يعلمنا الدرس نفسه بطرق مختلفة. "كن ولدًا مؤدبًا." "لا ترد على الأكبر منك." "لا تزعج الضيوف بلعبك." "انظر إلى أخيك، الجميع يحبه لأنه هادئ." لا أحد يقصد أن يسرق منك نفسك، لكن الرسائل الصغيرة تتراكم حتى تكتب قانونًا خفيًا في داخلك: إذا أردت أن تبقى محبوبًا، فأَرضِ الآخرين و افعل ما يحبونه.
وهكذا يبدأ الطفل، من حيث لا يشعر، في استبدال سؤالٍ بسؤال. بدل أن يسأل: "ماذا أشعر؟"، يصبح يسأل: "ما الذي يجعلهم يبتسمون؟" وبدل أن يبحث عن حقيقته، يبدأ في البحث عن النسخة التي تكسبه القبول... بأي ثمن كان.
لهذا لا أعتقد أن كثيرًا ممن يرهقون أنفسهم لإرضاء الناس يفعلون ذلك لأنهم لطفاء أكثر من غيرهم. بل لأنهم يحملون خوفًا قديمًا لم يُسمَّ باسمه. إنهم لا يخافون من قول "لا"، بل يخافون من الترجمة التي سيكتبها الآخرون لهذه الكلمة. فهم لا يسمعون في آذانهم مجرد حرفين، بل يسمعون اتهامات كاملة: "لقد تغير." "لم يعد يحبنا." "صار مغرورًا." "نجح فنسي أصحابه." ولذلك فإن المشكلة ليست في الكلمة، وإنما في المعنى الذي أعطيناه لها.. و هذا أعمق منا نتصور ..
وهنا تكمن واحدة من أكثر الحيل النفسية خطورة:
فنحن نعتقد أننا نحمي علاقاتنا، بينما نحن في الحقيقة نحمي صورتنا داخل تلك العلاقات. هناك فرق هائل بين أن تساعد صديقًا لأنك تحبه و لأنك تستطيع ذلك حقا ، وبين أن تساعده لأنك لا تحتمل فكرة أن يغضب منك..!
الفعلان متشابهان من الخارج، لكنهما مختلفان تمامًا من الداخل. الأول يخرج من الحرية، والثاني يخرج من الخوف.
والإنسان قد يقضي عمره كله يفعل الأشياء الصحيحة للأسباب الخاطئة، ثم يتساءل لماذا يشعر بهذا الإرهاق الذي لا يزول بالنوم.
وربما لهذا السبب يبدو بعض الناس، رغم نجاحهم، مرهقين على نحو لا يفسره العمل. فهم لا يحملون فقط مسؤولياتهم، بل يحملون أيضًا توقعات عشرات الأشخاص عنهم.
إنهم يعملون في وظيفة غريبة لا تظهر في أي سيرة ذاتية: مدير قسم الانطباعات الأولى.
يقضون يومهم في التأكد من أن الجميع خرجوا بصورة جيدة عنهم. يراجعون الرسالة خمس مرات قبل إرسالها حتى لا تبدو باردة، ثم يراجعونها بعد إرسالها ليتأكدوا أنها لم تبدُ ودودة أكثر من اللازم. يعتذرون عن التأخر في الرد، ثم يعتذرون عن الإطالة في الرد
هل رددت على الرسالة في وقتها؟
هل باركت لهذا؟
هل واسيت ذاك؟
هل حضرت المناسبة؟
هل اتصلت بقريبك؟
هل وضعت إعجابًا على منشور صديقك حتى لا يظن أنك تجاهلته؟
هل اعتذرت بما يكفي؟
!!وهل اعتذرت عن الاعتذار أيضًا؟
إنها وظيفة مرهقة، والمشكلة أنها لا تعرف الإجازات. وكلما أتقنتها، رُقيت إلى منصب أعلى، حيث تصبح مطالبًا بإرضاء عدد أكبر من الناس، وبصورة أفضل، وبابتسامة أعرض…!
هناك مفارقة طريفة في هذا كله.
لو أخبرت أحدهم أنك لا تستطيع الحضور لأنك متعب، فقد لا يقتنع.
أما إذا أخبرته أن لديك اجتماع عمل، فسيتفهم الأمر فورًا.
نحن نحترم تعب الوظيفة أكثر مما نحترم تعب الإنسان.
كأن راحتك لا تصبح مشروعة إلا إذا صادق عليها جدول الأعمال…!ـ
أما أن تقول: "أريد أن أبقى وحدي هذا المساء لأنني مرهق"؛ فهذه، في نظر كثيرين، حجة تحتاج إلى تبرير.
وهكذا نتعلم شيئًا خطيرًا: أن الوقت الذي نعطيه للآخرين له قيمة، أما الوقت الذي نحتفظ به لأنفسنا، فعلينا أن ندافع عنه كأنه تهمة…
هذه النوعية للأسف
ربما لو استطاعوا لاعتذروا عن وجودهم نفسه حتى لا يزعجوا أحدًا..!
والمفارقة المضحكة المبكية أنهم يغلقون إشعارات التطبيقات حفاظًا على تركيزهم، لكنهم لم يتعلموا بعد كيف يغلقون إشعارات توقعات الآخرين…!ـ
والأسوأ من كل ذلك أن هذه الحياة تمنح صاحبها وهمًا خطيرًا. كلما نجحت في إرضاء الناس، ظننت أنك اقتربت من الراحة، بينما الحقيقة أنك اقتربت من الإدمان. لأن الإنسان إذا جعل قيمته مرتبطة بالقبول، فلن يكتفي أبدًا بقبول الأمس، بل سيحتاج إلى جرعة جديدة اليوم، ثم غدًا، ثم بعد غد. وحينها لن يعود يبحث عن المحبة، بل عن الطمأنينة المؤقتة التي يمنحها له رضا الآخرين، تمامًا كما يبحث العطشان عن قطرة ماء في بحر مالح؛ كلما شرب، ازداد عطشًا…
و هذا مؤسف حقا..ـ
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي سنحاول الإجابة عنه:
كيف تحولت الحاجة الفطرية إلى الحب والقبول -وهي من أجمل ما في الإنسان- إلى عبودية خفية تستنزف عمره دون أن يشعر؟
ولماذا يصل بعض الناس إلى نهاية الطريق، فيكتشفون أنهم كانوا يعرفون كيف يجعلون الجميع سعداء... إلا الشخص الذي عاش معهم طوال الوقت، وكان ينتظر منهم التفاتة واحدة: أنفسهم.
لم تكن المشكلة يومًا أن الناس يطلبون الكثير، بل أننا، في لحظة ما، بدأنا نقدم أكثر مما نملك... فاستُنزفنا
والغريب أن هذا لا يحدث بدافع الكرم دائمًا، بل بدافع الخوف. فالإنسان لا يستنزف نفسه لأنه يحب العطاء فحسب، وإنما لأنه يخشى أن يكتشف الآخرون أنه يملك حدودًا. نحن لا نخاف من كلمة "لا"، بل من القصة التي ستُكتب بعدها.
لا نخشى الرفض، بل نخشى أن يُترجم رفضنا إلى أنانية، أو جفاء، أو قلة وفاء.
إن أكثر المعارك التي نخوضها ليست مع الناس، بل مع التفسير الذي نتخيل أنهم سيمنحونه لمواقفنا.
ولهذا فإننا كثيرًا ما نوافق على أشياء لا نريدها، لا لأننا مقتنعون بها، بل لأننا نحاول حماية صورة رسمناها في أذهان الآخرين، ثم تعبنا من حراستها..
تأمل يومًا عاديًا من حياتك، وسترى كم مرة تؤجل نفسك إلى آخر القائمة. يرن هاتفك، فتتنهد قبل أن ترد، ثم تبتسم في اللحظة التي تسمع فيها الصوت، وكأن التعب الذي كان يملأ صدرك اختفى فجأة. يطلب منك أحدهم خدمة، فتمضي دقائق طويلة تبحث عن طريقة مهذبة للاعتذار، ثم تنتهي إلى الموافقة لأن الاعتذار بدا أصعب من التضحية. تتلقى رسالة في ساعة متأخرة، فتقول لنفسك: "سأجيب غدًا"، ثم يهمس صوت خفي: "ماذا لو ظن أنني أتجاهله؟" فترد وأنت نصف حاضر، ونصف نادم..
بعض الناس يعتذرون عن التأخر في الرد أكثر مما يعتذرون لأنفسهم عن سنوات كاملة من التأخر في عيش الحياة التي كانوا يريدونها.
ومع تكرار هذه التفاصيل الصغيرة، يحدث شيء يكاد يكون غير مرئي. في البداية تظن أنك تقدم تنازلًا عابرًا، ثم يصبح التنازل عادة، ثم يصبح جزءًا من شخصيتك. وبعد سنوات، إذا سألك أحد: "ما الذي تريده أنت؟"، ستكتشف أن السؤال يحتاج منك وقتًا أطول مما ينبغي لتجيب عنه .. ليس لأن رغباتك معقدة، بل لأنك أمضيت عمرًا كاملًا تتقن قراءة رغبات الآخرين و نسيت تطوير قدرتك على قراءة نفسك. وهذا هو الثمن الذي لا يتحدث عنه أحد. يقولون إن إرضاء الناس يضيع الوقت، لكن الوقت ليس فقط ما سنخسره ..بل الهوية !
أما الهوية إذا ذابت ببطء، فلا تعود كما كانت بسهولة أبدا..
ولهذا أرى أن عبارة "ضع حدودًا" ليست نصيحة كافية.
فالحدود لا تُرسم بالقلم، بل تُرسم بقيمة الإنسان عند نفسه.
من يعتقد في داخله أن قيمته معلقة برضا الآخرين، سيهدم حدوده بيده كلما شعر أن أحدًا قد يغضب منه. أما من عرف أن كرامته ليست هبة يمنحها الناس، فسوف يعتذر حين يحتاج إلى الاعتذار، ويرفض حين يحتاج إلى الرفض، دون أن يشعر أنه ارتكب جريمة.
القضية ليست في تعلم قول "لا"، بل في تعلم تقبل احتمال أن يسيء بعض الناس فهمك بعد أن تقولها.
وهذه مهارة أصعب بكثير من نطق الكلمة نفسها.
ولكي ندرك استحالة المشروع الذي نقضي أعمارنا فيه، دعنا نجري تجربة فكرية بسيطة..
و ركز معي فيها جيدا و شغل مَنطِقك :
تخيل أنك قررت، ابتداءً من الغد، أن ترضي جميع الناس. ستحتاج أن تكون قويًا أمام من يعجبهم الأقوياء، ولينًا أمام من يكرهون الحزم. ستحتاج أن تكون كثير الكلام مع من يملّ الصمت، وصامتًا مع من يملّ الثرثرة.
ستلبس وجهًا جديدًا في كل مجلس، ولسانًا جديدًا في كل حوار، وربما قلبًا جديدًا مع كل علاقة أسرية أو اجتماعية... فكم شخصية ستحتاج حتى يرضى الجميع؟ وكم عمرًا يكفي لهذا المشروع؟
إن محاولة إرضاء الناس تشبه محاولة الوقوف أمام ألف مرآة في اللحظة نفسها؛ كل واحدة تطلب منك زاوية مختلفة، وإذا حاولت إرضاءها جميعًا، خرجت في النهاية دون أن ترى وجهك الحقيقي في أي منها.
وما يزيد الأمر قسوة أن الناس لا يقصدون دائمًا استغلالك. النفس البشرية تعتاد الجميل بسرعة. المساعدة الأولى تُقابل بالشكر، والثانية بالامتنان، والعاشرة بالتوقع، ثم تأتي الحادية عشرة، فإذا اعتذرت عنها، بدا وكأنك قصّرت في واجب كان مفروضًا عليك. ليست المشكلة في الناس وحدهم، بل في أن الإنسان إذا أعطى بلا حدود، علّم الآخرين أن حدوده غير موجودة. ومن هنا تبدأ المرارة؛ لأنك تشعر أنك لم تتغير، بينما يشعر الآخرون أنك أصبحت مقصرًا، فقط لأنك توقفت عن استنزاف نفسك، و استرجعت حقك الطبيعي..ـ
وحين يبلغ الإنسان هذه المرحلة، يبدأ يطرح السؤال الخطأ. يقول: "لماذا لا يقدر الناس ما أفعله؟" بينما السؤال الأعمق هو: "لماذا احتجت أصلًا إلى تقديرهم حتى أشعر أن ما أفعله له قيمة؟" هنا نقترب من الجذر الحقيقي للمرض. فالقضية لم تعد قضية أخلاق أو علاقات، بل قضية مصدر القيمة نفسه. من أين تستمد شعورك بأنك كافٍ؟ ومن أعطاك الانطباع أن هذا الشعور يجب أن يأتي من الخارج؟
إن أخطر أنواع الفقر ليس أن تمتد يدك تطلب مالًا، بل أن يمتد قلبك كل يوم يطلب شهادة قبول من البشر…
ولو تأملت هذه الفكرة طويلًا، لاكتشفت أن المشكلة لم تكن يومًا في الناس. فالناس يفعلون ما تقتضيه طبيعتهم؛ يحبون ويكرهون، يمدحون وينتقدون، يقتربون ويبتعدون، وتتغير أحكامهم بتغير ظروفهم وأمزجتهم. المشكلة الحقيقية أننا سلّمناهم سلطة خطيرة : سلطة تحديد قيمتنا. جعلنا قلوبهم محكمة نستأنف عندها كل مساء. إن ابتسموا اطمأننا، وإن عبسوا ارتبكنا، وإن أثنوا علينا شعرنا أننا بخير، وإن انتقدونا بدأنا نراجع أنفسنا حتى في الأشياء التي كنا واثقين منها. وهكذا تتحول الحياة إلى استفتاء دائم، لا على أفعالنا، بل على قيمة وجودنا نفسه..!
إدراك عمق و خطر هذا الموضوع يفتح ألف زاوية في عقولنا لإعادة التفكير في مساقنا في الحياة..
ولهذا فإن الإنسان الذي يعيش على تصفيق الناس، سيموت كلما سكتوا. لأن التصفيق، مهما علا، لا يصلح أن يكون أساسًا تُبنى عليه النفس. إنه يشبه المسكنات؛ يخفف الألم ساعات، لكنه لا يعالج الجرح. وما أكثر الذين يحيط بهم المديح، بينما يعيشون في الداخل فقرًا هائلًا إلى الطمأنينة. إنهم يحتاجون كل يوم إلى جرعة جديدة من الإعجاب، لأن الجرعة السابقة انتهى مفعولها.
وما دام مصدر قيمتك خارجك، فسوف تظل حياتك كلها تحت رحمة أشياء لا تملكها: مزاج الناس، وانطباعاتهم، وتوقعاتهم، وتقلباتهم. ومن يبنِ بيته على أرضٍ ليست له، فسيظل يخاف في كل لحظة أن يطلب صاحب الأرض استردادها.
وربما لهذا السبب لا يكفي أن تتعلم كيف تقول "لا". فكم من إنسان قالها بلسانه، بينما ظل قلبه يعتذر عنها أيامًا. وكم من شخص رفض طلبًا، ثم قضى الليل كله يحاكم نفسه لأنه أغضب أحدًا. الحرية ليست أن تنطق بالكلمة الصحيحة، بل أن تتحمل ما قد يترتب عليها من سوء فهم دون أن تنهار صورتك عن نفسك.
ليست البطولة أن يصفق لك الناس لأنك وضعت حدودًا، بل أن تبقى مطمئنًا حتى لو لم يفهموا تلك الحدود. فالناس لا يتألمون غالبًا من الرفض، بل من المعنى الذي ينسجونه حوله،
وأنت لست مسؤولًا عن كل قصة يكتبها الآخرون في رؤوسهم..!
من جعل قيمته في قلوب الناس، سيظل يتسولها منهم، ولو كان أغناهم. ومن جعلها عند الله، استغنى، ولو لم يصفق له أحد. ولهذا قال السلف :ـ
"إرضاء الناس غاية لا تُدرك، وإرضاء الله غاية لا تُترك"
ليست مجرد حكمة تتناقلها الكتب، بل وصف دقيق لطبيعة النفس البشرية. الناس قد ينسون ألف إحسان بسبب موقف واحد، أما الله فلا يضيع مثقال ذرة...
يوجد اقتباس مر علي يقول :
لو أشعلت أصابعك التسع شموعا لإرضاء غيرك ، لسُئلت عن لماذا لم تشعل العاشر أيضا ! ـ
الناس يحكمون على الصورة، والله يعلم ما دار في قلبك قبل أن تتحرك يدك أو ينطق لسانك. وما أعظم الفرق بين أن تربط قلبك بمن تتغير موازينه كل ساعة، وبين أن تربطه بمن لا يظلم أحدًا ولا ينسى أحدًا سبحانه..
وحين يستقر هذا المعنى في القلب، لا يتحول الإنسان إلى شخص بارد أو قاسٍ أو لا يبالي بأحد، كما يظن بعض الناس. بل يصبح أكثر رحمة، لأنه لم يعد يحسن ليشتري المحبة، وإنما لأنه يحب الإحسان نفسه.. و يفعل الخير لوجه الله و ليُس ليصفق له .. يساعد إذا استطاع، ويعتذر إذا لم يستطع، ولا يشعر أن الاعتذار خيانة، ولا أن الحدود أنانية. يدرك أن الصدق مع الناس خير من لطفٍ مزيف، وأن "لا" الصادقة أرحم من "نعم" يختنق صاحبها وهو ينطق بها..
وأخشى أن كثيرين لن يكتشفوا الحقيقة إلا متأخرين. حين يهدأ البيت بعد أن يكبر الأبناء، و يشيب الشعر ، و ترسم الشيخوخة ملامحها على الوجه ، أو تنتهي سنوات العمل، أو ينسحب ضجيج الحياة قليلًا، فيجلس الإنسان مع نفسه لأول مرة دون مواعيد أو التزامات. هناك فقط قد يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا، لكنه ثقيل كالعمر كله: "ومن أكون أنا، بعيدًا عن كل الأدوار التي لعبتها؟" يعرف أسماء أصدقائه، وأذواق أسرته، وما يحبه مديره، وما يرضي الناس... لكنه يعجز عن الإجابة عن أبسط سؤال يتعلق بنفسه..
يا لها من خسارة أن يقضي الإنسان حياته كلها يتعلم كيف يقرأ الآخرين، ثم يكتشف في النهاية أنه لم يتعلم يومًا كيف يقرأ قلبه..
.
وربما لن تتغير حياتك غدًا. وربما ستقول "نعم" مرات أخرى، فليست القضية أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى شخص لا يستمد قيمته من غيره…
لكنني أتمنى أن يحدث شيء واحد فقط. أن تتوقف، قبل أن تنطق بها، وتسأل نفسك بهدوء: هل أقولها لأن هذا ما أريده حقًا... أم لأنني أخشى ما سيحدث لو قلت لا؟
ديننا الحنيف يأمرنا بإعمال العقل -في حدود- و ديننا دين عزة لا يرضى بالضعف و الاستكانة !ـ
تذكرت الأبيات المشهورة :
قد لا تبدأ الحرية بخطوة عظيمة، ولا بقرار يهز العالم.
قد تبدأ بكلمة صغيرة.
صادقة.
تخرج لأول مرة من قلبٍ لم يعد يستجدي قيمته من أحد.
لأن الإنسان الذي يخسر رضا أحدهم ، قد يخسر علاقته به فحسب..
أما الإنسان الذي يخسر نفسه...
فبأي شيء يعوضها؟
شكرا لقراءتك ـ♡ ـ






كنت لفترة طويلة أسعى لارضاء الناس سعيا كنت أخاف من فكرة ان شخص يكرهني او حتى يزعل مني فاي طلب يطلبونه مني انفذه بدون تفكير لكن ما استوعبت وقتها اني كنت ادمر نفسي بنفسي الا لما خسرت صداقة كانت تعني الكثير بالنسبة كنت دائما اتنازل عن وقتي مع صديقتي هذي عشان ارضي الناس وكنت اقول في نفسي عادي هي تعرف انها اهم منهم عندي واني مستحيل افرط فيها وراح تفهمني لكن هي كانت تحس اني ما اهتم لها وتصير بينا مشاكل كثير لهذا السبب وكنت دائما اعتذر والوم نفسي عشان ما ارضيتها وحدة وحدة صارت تتوقع مني فوق طاقتي وانا ماعاد صرت اقدر البي توقعتها ومن جهة ثانية لازم البي توقعات الناس الثانين كمان فان ارضيتها هي زعل مني الباقين وان ارضيتهم زعلت هي علي صرت اكره نفسي لأني لا عارفة ارضيهم ولا ارضيها ولا اعرف وش اسوي في الاخير صارت علاقتنا سامة بسبب اني صرت اتحمل ذنب ان صداقتنا خربت لاني ما اعطيها وقت وصرت استثقل اني ارضي احد او البي طلباتها هي كمان في الاخير طلباتها زادت عن حدها وانهيت علاقتي فيها لاني ماعاد قدرت اتحمل كل الضغط الي حسيت فيه منها وحتى علاقاتي بالناس بطلت انفذ طلباتهم او احاول ارضيهم لأنهم استنزفوني لوقت طويل طاقتي خلصت وقررت اني ماعاد احاول ارضي احد لاني لو بغيت ارضيهم لازم اضحي بالشي الي احبه قررت اتغير واعبر عن رفضي بدون ما أشعر بذنب الرفض صح انه كان صعب علي في البداية لكن الحمدلله صار أسهل علي مع مرور الوقت وخلاص ما عاد في أهمية كبيرة لنظرة الناس لي زي قبل وبطلت اكره نفسي تعلمت درسي في النهاية ولو انه متأخر شوي
كلام واقعي و جميل ابدعت ……..
كان إرضاء الناس على حساب نفسي أمرًا متعبًا؛ فقد كنت أوافق على كل شيء، حتى وإن كان فوق طاقتي، ظنًّا مني أن ذلك لطفٌ وأن الناس سيحبونني لأنني أساعدهم. لكنني أدركت أنني كنت أرهق نفسي وأحملها فوق طاقتها، حتى أصبحت أذهب إلى المدرسة مثقلة نفسيًا، وأغضب من أهلي إذا طلبوا مني شيئًا بسيطًا، لأنني كنت أستهلك طاقتي في تلبية طلبات الآخرين.
مع الوقت، أدركت أنني كنت أقول للناس «نعم» وأقول لأهلي «لا»، لأنني كنت أحاول إرضاء الآخرين حتى ضيّعت نفسي وحقوق أهلي. كان قول «لا» في البداية صعبًا جدًا، لكنني بدأت أرفض دون تبرير أو شعور بالذنب. حتى إن إحدى صديقاتي غضبت مني عندما بدأت أضع حدودًا، وقالت إنني تغيّرت بعدما كنت لطيفة معها، وانتهت صداقتنا. والحمد لله، تجاوزت ذلك، وإن بقي في نفسي شيء قليل منه