كان الكرسي الخشبي يواجه البحر منذ زمن لا يعرفه أحد.. لا صوت يدل على صاحبه، كأن البحر هو الذي اختاره ليكون شاهدًا على شيء يتكرر كل صباح.. ومع أول خيط من الفجر، حين تبدأ السماء في التخلي عن عتمتها رويدًا رويدًا،كل شيء في الكون يتحرك بهدوء..
إلا الإنسان.
كان الإنسان وحده هو الكائن الذي يبدو دائمًا وكأنه متأخر عن موعد لا يعرفه... يركض ركضا منذ أن يفتح عينيه، ويؤجل أنفاسه إلى نهاية يومه، ثم يكتشف، حين يصل إلى الليل، أن الغد قد بدأ يطالبه قبل أن ينتهي اليوم..ينام متعبًا، لا لأنه حمل فوق كتفيه ما لا يطاق، بل لأنه حمل في قلبه ما لم يقدر عليه..
ولطالما راودني سؤال كلما رأيت أحدًا يقول: "حين أنتهي من هذا، سأرتاح."ـ
منذ متى أصبحت الراحة شيئًا نؤجله؟
ومن الذي أقنعنا أن الراحة تقف في آخر الطريق، لا في أثنائه؟
الغريب أننا لا ننتبه إلى هذه الفكرة لأنها تكبر معنا بصمت، حتى تصبح جزءًا من الطريقة التي نفهم بها الحياة. فالطفل يقال له: اجتهد الآن لترتاح لاحقًا. والطالب يعيش على وعد أن الجامعة ستنهي تعبه. ثم يقال له إن الوظيفة هي بداية الاستقرار. فإذا وجدها، قيل له إن الراحة الحقيقية تبدأ بعد أن يؤسس بيتًا. ثم بعد أن يكبر الأبناء. ثم بعد أن يستقر الدخل. ثم بعد أن يسدد ما عليه. ثم بعد... ثم بعد...
وكأن الحياة كلها مؤجلة إلى إشعار آخر.
لا أحد يقولها بهذه الصراحة، لكننا جميعًا نعيشها؛
نعيش حاضرًا لا نعامله على أنه حياة، بل على أنه جسر إلى الحياة... و هذه حقيقة يومية نصافحها بحرارة..!ـ
ولعل هذه هي أكثر الحيل قسوة التي نقع فيها. فنحن لا نسرق أعمارنا بالكسل، بل نسرقها بالانتظار.
ننتظر اللحظة التي سنبدأ فيها العيش حقًا.
ولا تأتي…
فنحن نتخيل أن هناك يومًا سيستيقظ فيه الإنسان، فيجد كل شيء قد استقر؛ لا عمل متراكم، ولا مسؤوليات جديدة، ولا مفاجآت، ولا خوف، ولا نقص. يوم يشبه صفحة بيضاء، يستطيع أخيرًا أن يجلس فيها مطمئنًا.
لكن أين رأينا هذا اليوم؟
في أي عمر سنلقاه؟
وأي إنسان عاشه لنجري معه مقابلة فيكشف لنا السر ؟
الجواب البسيط : لا أحد عاشه !ـ
كلما انتهت مسؤولية، وُلدت أخرى. وكلما أغلق باب، انفتح باب جديد. وليس في هذا ظلم من الحياة، بل هذا هو معنى الحياة نفسها؛ إنها جريان لا يعرف السكون، ولو توقفت عن الجريان، لما كانت حياة..
إذن... لماذا لا نزال نبحث عن الراحة في مكان لا توجد فيه؟
لأننا، من حيث لا نشعر، لم نعد نبحث عن الراحة، بل عن لحظة نضمن فيها أن كل شيء أصبح تحت السيطرة.
نريد أن نطمئن على مستقبلنا كله.
وعلى أهلنا.
وعلى أعمالنا.
وعلى أحلامنا.
وعلى صحتنا.
..إلخ
وعلى ما سيحدث بعد سنة، وبعد عشر سنوات.
وحين لا نستطيع، يملأ القلق الفراغ الذي تركه عجزنا.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
فنحن نظن أن ما يستنزفنا هو كثرة ما نفعل، بينما الذي يستنزفنا في كثير من الأحيان هو كثرة ما نحاول السيطرة عليه.
ولأن السيطرة الكاملة مستحيلة، أصبح التعب دائمًا.
ولهذا، تأمل نفسك في نهاية يوم طويل.
قد تكون أنجزت كل ما خططت له، ومع ذلك لا تشعر بالراحة التي أمّلتها.
لماذا؟
لأن عقلك لا يحتفل بما انتهى، بل يقفز مباشرة إلى ما لم يبدأ بعد.
وإذا كانت قائمة مهامك قد انتهت، فإنه يصنع قائمة جديدة.
وإذا انتهت القائمة الجديدة، اخترع خوفًا جديدًا.
وكأن داخله آلة لا تعرف إلا إنتاج المزيد من الأسباب التي تؤجل الطمأنينة.
ولعل أخطر ما في الأمر أننا أصبحنا نخلط بين الشعور بالقيمة والشعور بالانشغال.
حتى صار سؤال: "كيف حالك؟" يُجاب عنه غالبا:
" الحمد لله ، مشغول قليلا هذه الأيام.."
كأن الانشغال أصبح هو كل البرهان على أن حياتنا تمضي في الاتجاه الصحيح.
وكأن التوقف و الراحة يحتاجان إلى تبرير...
و هذا ليس صحيحا دوما…
لهذا نشعر بوخز غريب إذا جلسنا ساعة لا نفعل فيها شيئًا. تمتد أيدينا إلى الهاتف دون حاجة، ونفتح تطبيقات لا نريدها، ونبحث عن أي حركة، فقط لأن السكون أصبح يربكنا. لقد تعودنا على الضجيج حتى صار الهدوء يبدو غريبًا، وتعوّدنا على الركض حتى أصبح الوقوف يشعرنا بالذنب.
لكن...بعيدا عن هذا و لنرى من زاوية أوسع ..ـ
هل سألنا أنفسنا يومًا لماذا خلق الله الليل؟
لو كان الإنسان خُلق ليظل يركض بلا انقطاع، لما جعل الله في الكون هذا التعاقب العجيب بين الحركة والسكون، بين النهار والليل، بين العمل والسكينة. يقول سبحانه:
﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾.
جاء في تفسير الطبري : يقول تعالى ذكره : ( ومن رحمته ) بكم أيها الناس ( جعل لكم الليل والنهار ) فخالف بينهما ، فجعل هذا الليل ظلاما ( لتسكنوا فيه ) وتهدءوا وتستقروا لراحة أبدانكم فيه من تعب التصرف الذي تتصرفون نهارا لمعايشكم .
القلب يسكن، ثم ينطلق إلى السعي في النهار..
لكننا عنيدون ، نخطط كثيرًا، ونحسب كثيرًا، ونخاف كثيرًا، ثم نستغرب لماذا لا نجد الراحة...
مع أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه الآن ليس:
لماذا لا أشعر بالراحة؟
بل:
هل كنت أبحث عنها أصلًا... أم كنت أبحث عن عالمٍ لا يشبه الدنيا التي خلقها الله؟
... وربما هنا، تحديدًا، تبدأ الرحلة الحقيقية. ليست رحلة البحث عن الراحة، بل رحلة اكتشاف السبب الذي جعلنا نضعها في المكان الخطأ منذ البداية.
و ركز معي في التساؤلات الآتية..
_
ماذا لو كانت المشكلة أقدم من كل هذا...ماذا لو أننا أخطأنا في تعريف الراحة منذ البداية، ثم قضينا أعمارنا نطارد تعريفًا خاطئًا؟
فنحن نتحدث عنها دائمًا كما لو كانت مكانًا نصل إليه، لا حالة نسكنها. نقول: سأرتاح عندما... ولا ننتبه أننا، في كل مرة نضيف فيها كلمة "عندما"، نؤجل الراحة مرة أخرى إلى مستقبل لا يكف عن الابتعاد. لقد حولناها إلى محطة أخيرة، بينما الحياة لم تُخلق وفيها محطات أخيرة، بل خُلقت رحلة، والرحلة لا تكف عن الحركة حتى تنتهي.
وربما لهذا السبب لا يرهق الإنسان كثرة مسؤولياته بقدر ما يرهقه اعتقاده أن عليه يومًا ما أن ينتهي منها كلها. إنه يحارب معركة لم يُطلب منه أصلًا أن يخوضها بالمعنى الذي كنا نفهمه.. يريد أن يصل إلى لحظة يصبح فيها كل شيء مرتبًا، وكل الأبواب السيئة مغلقة، وكل المخاوف مطمئنة، وكل الاحتمالات تحت السيطرة. لكنه ينسى أن الله هو الذي وحده سبحانه و تعالى من بيده تدبير الكون !
وهنا، في هذه النقطة تحديدًا، يبدأ التعب المضني...
لأن القلب حين ينسى حجمه، يحمل ما ليس له.
يحمل هم الغد قبل أن يأتي...
ويحمل أعمار الناس، وقلوبهم، ونظرتهم إليه، ونتائج سعيه و أمورا كثيرة أخرى خارج سيطرته..
ولذلك لا نعجب إذا ثقل.
بل العجب لو بقي خفيفًا أصلا..!
لقد خلق الله القلب لشيء واحد قبل كل شيء: أن يعرفه، وأن يطمئن إليه. أما نحن، فأرهقناه بمحاولة معرفة الغيب و إعمال عقولنا في ما لا نقدر عليه، وضمان المستقبل، والإجابة عن كل سؤال قبل أن يقع ، و وضع الاحتياطات و الاحتمالات لما نفعله حالة وقع ! و هذا مرهق للغاية...
ولهذا، كلما ظننا أننا اقتربنا من الراحة، وجدناها تبتعد، لأننا كنا نسير إليها بأثقل ما فينا...
وهنا تتجلى عظمة القرآن في كلمة قد نقرأها عشرات المرات دون أن نتوقف عندها:
﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
تأمل الآية مرة أخرى.
قال تعالى : ﴿تطمئن القلوب﴾.
القرآن يصحح تعريفًا كاملًا للراحة... القلوب تطمئن و تسكن بذكر الله ..
فالطمأنينة ليست هدية تأتي بعد أن تصبح الحياة سهلة، بل نور يسكبه الله في قلب عبدٍ حتى و هو ما زال يمشي في طريق مليء بالتعب..
ولهذا أيضًا،
لو كانت الراحة ثمرة غياب الابتلاء، لكان الأنبياء أكثر الناس راحة.
لكن تأمل حياتهم.
نوح يدعو قومه قرونًا ولا يمل..
أيوب عليه السلام يُبتلى في صحته و ماله و ولده سنوات عديدة..
ويعقوب يبيضّ بصره من الحزن، لكنه يقول:
﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾
.... إلى الله وحده..
ويوسف ينتقل من غيابة الجب إلى السجن، ثم إلى الملك، وفي كل مرحلة كان قلبه متعلقًا بالله أكثر من تعلقه بالمكان.
ورسول الله ﷺ، وهو أحب الخلق إلى الله، يمر بعام الحزن، ويخرج من الطائف ودمه يسيل، ثم يقف بين يدي ربه يقول الدعاء ( الذي سمي دعاء الطائف) :
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس، أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
.
ولعلنا لهذا السبب نخطئ حين نظن أن كثرة الذكر أو الصلاة أو الدعاء وسائل لنحل بها مشكلاتنا فقط..
الدعاء وسيلة لترتيب قلوبنا قبل ترتيب ظروفنا.
لأن المشكلة ليست دائمًا في الخارج.
كم من إنسان تبدلت حياته كلها، وبقي قلقًا مضطربا كما هو..
وكم من إنسان لم يتغير من واقعه شيء، لكن قلبه امتلأ سكينة حتى بدا كأنه يعيش حياة أخرى...
ذُكر في الوابل الصيب أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في هذا الاقتباس من الكتاب :
"وقال لي مرة -ابن تيمية- :
ما يصنع أعدائي بي ؟
أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت ؛ فهي معي لا تفارقني ،
إنّ حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة .
وقال لي مرة :
المحبوس : من حُبِسَ قلبه عن ذكر الله تعالى ،
والمأسور : من أسَرَهُ هواه ."
~
الوابل الصيب لابن القيم [109]
وهذا هو الفرق بين من يعيش معتمدًا على نفسه، ومن يعيش متوكلًا على ربه..
الإنسان إن ترك لنفسه هلك .. نفس الإنسان كفيلة بأن تهلكه حقا و هذا معنى مخيف .. لذلك ندعو : ربي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين...
و يوجد معنى آخر كذلك..تأمله معي :ـ
قال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما:
«واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.»
ليس المقصود من الحديث أن يترك الإنسان السعي...
بل أن يترك الوهم…
وهم أنه لو أحكم كل شيء، فلن يفقد شيئًا.
ووهم أنه لو خطط بما يكفي، فلن يفاجئه القدر.
ووهم أن نجاته مرهونة بقدرته هو.
ومنذ متى كانت النجاة بيد الإنسان أصلًا؟
الأمر كله بيده وحده سبحانه و تعالى ، و على الإنسان عقد العزم و التوكل عليه جل جلاه..ـ
ربما لهذا قال بعض السلف كلامًا بديعًا:
"من أصلح سريرته أصلح الله علانيته."
لأن أعظم ما يحتاج إلى الإصلاح ليس جدول أعمالنا...
بل موضع اعتماد قلوبنا.
ولعلنا قضينا سنوات طويلة نسأل السؤال الخطأ.
لم نكن نسأل:
"كيف يطمئن القلب؟"
بل كنا نسأل:
"كيف أصل للراحة الكاملة؟"
وبين السؤالين مسافة عمر كامل.!ـ
فالإنسان قد ينجح في تخفيف بعض أعبائه، لكنه لن ينجح أبدًا في أن يجعل الدنيا بلا أعباء.
أما إذا عرف كيف يطمئن قلبه بذكر الله ، فسيكتشف أن الله قد يفتح له بابًا من السكينة، وهو لا يزال يسير في الطريق نفسه... بالطريقة نفسه... وتحت السماء نفسها... لكن في القلب شيء مختلف...
و تذكرتُ هنا وصفا للصديق رضي الله عنه ..
قال ابن رجب في اللطائف: قال بكر المزني:
ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام، ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره...
قال بعض العلماء المتقدمين: الذي وقر في صدره هو حب الله، والنصيحة لخلقه...
ولعل أجمل ما في الحقيقة أنها، حين تنكشف، تبدو بسيطة إلى حد يجعلنا نتساءل: كيف لم نرها من قبل؟
لقد أمضينا سنوات طويلة نطارد الراحة، بينما لم نسأل أنفسنا يومًا: هل خُلقنا أصلًا لنعيش حياة لا تعب فيها؟
يجيب القرآن عن هذا السؤال في آية ، لكنها تهدم الوهم من جذوره:
﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾...
الكبَد : أبرز المعاني التي ذكرها المفسرون لهذه الكلمة هي المشقة والتعب والعناء...
ليست الآية خبرًا عن فئة من الناس.
ولا عن مرحلة عمرية معينة.
بل عن الإنسان.
أي إن المشقة ليست حادثًا طارئًا على الحياة، بل جزء من طبيعتها. ومن هنا تبدأ الطمأنينة؛ حين يتوقف الإنسان عن مطالبة الدنيا بأن تكون جنة، لأنها لم تُخلق كذلك.
ولهذا، فإن المؤمن لا يختلف عن غيره في أنه يتعب، ويخاف، ويحزن، ويفقد من يحب، وتضيق به الأيام. لكنه يختلف في شيء واحد؛ أنه لا يظن أن كل ذلك يحدث بلا حكمة...
إنه يعلم أن هناك ربًا يرى ما لا يراه، ويدبر ما لا يدبره، ويختار له من الرحمة ما قد لا يفهمه إلا بعد سنوات، وربما لا يفهمه إلا حين يلقاه سبحانه..
وهذا وحده كفيل بأن يخفف عن القلب أثقل ما يحمله.
لقد كنا نبحث عن الراحة في مدى جاهزية الظروف، بينما كانت تختبئ في مدى اليقين و الثقة بالله.
وكنا نظن أن الطمأنينة تأتي حين تصبح الحياة كما نريد، فإذا بها تأتي حين نرضى بأن تكون كما أراد الله، ثم نبذل وسعنا فيها دون سخط ولا يأس.
وهنا فقط يفهم الإنسان معنى التوكل.
التوكل ليس أن تتوقف عن السعي، ولا أن تترك التخطيط، ولا أن تستسلم للواقع باسم الرضا.
التوكل أن تبذل كل ما تستطيع، ثم تنام ليلًا وقلبك لا يحمل ما ليس من شأنه.
أن تزرع...
لكنك لا تتوهم أنك تخلق الثمرة.
وأن تأخذ بالأسباب...
لكن يقينك لا يكون بالأسباب، بل برب الأسباب.
وأن تحسن التدبير...
لكن لا تعتقد أن تدبيرك هو ما سيسوق لك الخير..
ستبكي أحيانًا كثيرة ، لكن دموعك لا تكون اعتراضًا، بل افتقارًا إلى الله.
وهنا يدرك الإنسان أن السكينة ليست غياب الأمواج...
بل وجود مرساة.
ولهذا، لم يكن النبي ﷺ أكثر الناس راحة لأنه أقلهم تعبًا، بل لأنه كان أكثرهم تعلقًا بالله.. فإذا حَزبه أمر، قام إلى الصلاة ، قال ﷺ :" أرحنا بها يا بلال" ... أرحنا بها و ليس منها !
ولعلنا، دون أن نشعر، عشنا سنوات نطلب من الدنيا ما لا تملكه.
طلبنا منها ضمانًا...
وهي لا تملك إلا الاحتمالات.
وطلبنا منها ثباتًا...
وهي لا تعرف إلا التغير.
وطلبنا منها كمالًا...
وقد خلقها الله ناقصة؛ حتى لا يتعلق القلب بها تعلقًا ينسيه الدار التي خُلقت له.
قال ابن القيم رحمه الله:
"قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب.
ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث:
هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضى.
وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه".
إنها طريق.
ولا يطلب العاقل من الطريق ما يطلبه من المنزل...
وهنا، للمرة الأولى، لا يعود السؤال:
متى وكيف سأرتاح؟
بل يصبح سؤالًا آخر، أكثر صدقًا...
ما الذي يمنع قلبي من أن يطمئن الآن و قد عرفت السبب و العلاج ؟
...
والآن...
أعود إلى ذلك الكرسي الخشبي، الذي بدأنا منه الحكاية..
قد تجلس يومًا عليه مواجها البحر عند الفجر.
والبحر ما زال مضطربًا.
والأفق ما زال بعيدًا.
والأحلام لم تكتمل.
وقائمة المهام لم تنتهِ.
ومع ذلك...
تبتسم.
ليس لأن الحياة أصبحت سهلة.
بل لأن قلبك حين سألته ، أخيرًا، عرف الطريق إلى الراحة...
وحينها سيجيبك ..أن الراحة لا تأتي من مدى
اكتمال الحياة، بل من مدى اليقين و التعلق بالله ، و معرفة أن كل ما في هذه الحياة الدنيا زائل مؤقت، و النعيم الحقيقي ليس هنا بل هناك …
_
رزقنا الله و إياكم الجنة ..
_
شكرا لقراءتك ـ♡
لا تنسوني و والديّ من صالح دعائكم.





بارك الله فيك و نفع الله بك 🩷
بارك الله فيك